الفصل مائة وأربعة: هــــــــــروب ٩

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

الليل كان بيمشي بالعافية…

وكأنه متعمّد يطوّل على مهند بس.

أنس غرقان في نوم عميق…

نفسه هادي، وملامحه مرسومة عليها سكينة تعب مش نوم.

والأوضة ساكتة…

بس السكون ده مش سكون طبيعي.

كان سكون مشدود…

عامل زي ما تكون الأوضة نفسها بتحبس أنفاسها.

مهند قاعد في الركن…

ضامم نفسه

ركبته على صدره

وإيده ماسكة التيشيرت من فوق…

إيده بتترعّش كل شوية من غير ما ياخد باله.

برا الباب…

الصوت لسه موجود.

مش صوت خطوات…

ولا نفس…

ولا همهمة.

ده صوت…

“تواجد”.

كأن حد واقف بثبات…

سامع… وبيستنّى.

مهند كان كل كام دقيقة يبص لأنس…

عايز يقوم يصحيه.

إيده تترفع…

بس أول ما يوصل نص الطريق…

يلاقي أنس غاطس…

مستسلم…

وشه هادي بطريقة مستفزة لأي حد خايف.

فينسحب مهند…

ويرجع للركن تاني.

الساعة كانت بتمشي ببطء قاتل.

الدقيقة بتحسّس مهند إنها ساعة.

وعينيه كل شوية تتحرك ناحية الباب ولسّه حاسة إن حد واقف.

وفجأة…

دوووووم.

خشّة خفيفة على الباب.

مش خبطة.

مش محاولة فتح.

بس… “لمسة”.

ومهند اتجمد.

نَفَسه اتقطع.

وعينيه وسعت لدرجة توجّع.

حاول يكتم صوته…

بس قلبه كان بيخبط جامد قوي…

جامد لدرجة إنه كان خايف أنس يسمعه ويقوم.

بس أنس؟

ولا حس.

ولا اتحرك.

مهند همس لنفسه:

“ليه… ليه نايم كدا؟

اصحى يا أنس… بالله عليك…”

بس صوته ماكانش طالع.

كان صوت داخلي…

زي أنفاس مرسومة من غير نفس.

الليل بيعدي…

برا الباب الصوت يختفي…

ويرجع…

ويهدا…

ويقف…

وكل ده ومهند مش قادر يتحرك ولا يغمّض.

لحد ما…

أخيرًا…

أول شعاع نهار دخل بين الشباك وترسم على الأرض.

والسكون…

ابتدى يتغيّر.

مهند لسه في الركن…

عينيه محمرّة من السهر…

إيده بتتهز…

متحركش م الموقف ده من ساعات.

فجأة…

أنس فتح عينه.

مش بهدوء.

لا.

فتحها مرة واحدة…

زي حد قام على كابوس اتخض منه.

قعد بسرعة…

وبص حوالين الأوضة بوش مفزوع:

"مهند؟!

مهند!!"

لفّ ع السرير يمين…

ملاهوش.

قلبه وقع.

ببص حواليه بجنون… لحد ما لمح مهند قاعد في الركن، عينيه واسعة، وشه متوتر، شكله قضّى الليلة كلها متجمّد في مكانه.

أنس وقف بسرعة…

وبخطوتين كان عنده ونزل على ركبته قدّامه:

"يا نهار أبيـــض…

مهند!!

إنت… إنت قاعد هنا من إمتى؟

إيه اللي حصل؟

أنا… أنا آسف…

والله محستش بحاجة....

انا آسف والله...

كان لازم أصحى…"

مهند حاول يرد…

بس صوته اتقطع…

فضطر أنس يقرب أكتر:

"مصحّتنيش ليه؟

مهو لو قلتلي…

أنا كنت…"

وبعدين وقف الكلام…

لأن عينه وقعت على حاجة في وش مهند:

علامة خوف.

خوف حقيقي.

خوف بقاله ساعات.

أنس حاول يمد إيده على كتف مهند

بس مهند اتراجع نص خطوة…

مش منه…

من الخضة اللي جواه.

أنس قال بصوت واطي… مكسور شوية:

"فيه حد كان برا… صح؟

سمعت حاجة؟"

مهند هز راسه ببطء…

عينه بتلمع بنعاس وخوف:

"كان… واقف.

طول الليل.

ما راحش.

أنا… كنت هصحّيك…

بس… لقيتك نايم… ووشك مرهق…

قولت… خلاص… أستنى لحد النهار."

أنس عضّ على شفايفه…

ووشه اتحوّل لحد تاني.

مش غضب…

بس قَلق نادر.

"ما تكررش كدا تاني.

تسمعني؟

أي حاجة—

أي صوت—

أي حد—

تصحّيني فورًا.

إنت مش لوحدك--

مش لازم تواجه حاجة."

وبعدين…

أنس مد بإيده، بحرص…

ولمس إيد مهند اللي كانت بتترعش.

"تعالى…

خلاص.

أنا هنا."

ومهند…

أخيرًا…

اتنفس.

أنس قام… وفتح الشباك بسرعة…

يبص برا…

يسمع…

يشم الهوا.

بس…

الطريق فاضي.

تمامًا.

ولا حتى خطوات.

رجع يبص لمهند:

"إحنا محتاجين نخرج بدري…

قبل ما حد في القرية يقرر يظهر تاني."

مهند قال بصوت ضعيف:

"هو… كان واقف.

انا متأكد."

أنس رد وهو بيلم حاجته:

"وأنا هاسمّع صوته… لو كررها."

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2025/12/15 · 3 مشاهدة · 550 كلمة
reven
نادي الروايات - 2026