الفصل مائة وسته: هــــــــــــروب١١
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الطريق بعد خروجهما من القرية ماكنش آخره باين…
تراب كتير…
وهوا الصبح البارد اللي مش بيطمن…
وكأن الدنيا بتقولهم:
“إنتو خرجتوا… بس مش نِجّيتوا.”
أنس كان ماشي قدّام نص خطوة…
مش لأنه قائد…
لأ، لأنه خايف يفوّت على مهند أي حركة، أي صوت، أي ريحة…
خصوصًا بعد اللي حصله بالليل.
ومهند؟
كان ماسك طرف الشنطة بإيده…
وعينه على الأرض…
مش بيتكلم…
وبيتنفّس بسرعة خفيفة، كأنه لسه شايف الضلّ واقف قدام الباب.
بعد شوية…
ظهر قدّامهم كوخ صغير على جنب الطريق.
قديم…
خشبه متآكل…
ومدخنته مكسّرة.
بس في دخان خفيف طالع…
دخان بخور…
نفس الريحة اللي رجّعت لمهند أول شرارة من الذكريات.
مهند وقف مكانه فجأة.
أنس هبّ عليه:
"في إيه؟"
مهند شم الهوا ببطء…
وقال بصوت منخفض قوي:
"نفس الريحة…
نفس ريحة بيتنا."
الكلمة جت كأنها حجر…
نزلت في صدر أنس وموجعتوش بس…
خوفته.
قبل ما يكملوا خطوة،
باب الكوخ اتفتح.
طلعت منه ست عجوز…
قصيرة…
جسمها ملفوف في شال أسود…
وعينيها صاحية زيادة.
مش عين ست كبيرة…
عين حدّ صاحي من جوّه، شايف أكتر ما بيبان على وشه.
بصّت لهم من فوق لتحت…
وبصوت هادي، هادي لدرجة إنه يمسك الأعصاب قالت:
"الليلة كانت تقيلة عليكم…
مش كده؟"
أنس اتوتر فورًا.
"إحنا بنعدّي بس… مش جايين نقعد."
الست ضحكت ضحكة قصيرة…
مش سخرية…
ضحكة حدّ يعرف الحقيقة:
"ولا أنا قولت إنكم جايين تقعدوا."
وبعدين بصّت على مهند…
نظرة طويلة…
كأنها بتفحص حاجة مش على وشه…
جواه.
"إنت…
وشك مش غريب عليّا."
مهند اتجمد.
"أنا؟!
أنا عمري ما شوفت حضرتك."
هي ماردتش…
دخلت جوّه الكوخ…
وبصوت مسموع قالت:
"تعالوا…
قبل ما الطريق يصحى."
أنس بص لمهند:
"مش هندخل. نكمّل."
بس مهند…
ولأول مرة من بداية الهروب…
قال كلمة من غير ما يستنى أنس:
"لأ.
الست دي عارفه حاجه اكيد.....
بما انها ذكرت الليله اللي فاتت......يبقي اكيد عارفه حاجه.....
انس بصله"بس يا مهند مفيش حد هنا عاوز يساعدنا.....يلا نمشي
مهند مسك دراعه وقاله.....نجرب
انس معرفش يرد...ولا يمنعه....
فدخل معاه.....
الكوخ من جوّه كان أوسع من شكله.
حِيطان خشب قديم…
ومفرش غامق…
وبخور محطوط في طبق فخار…
نفس النوع اللي كان عند أم مهند.
الست قالت من غير ما تبص عليهم:
"انت… اللي بيدوّر عليك...صح؟!
مهند بصلها باستغراب.....انا؟! ومين اللي بيدور عليا؟!
أنس اتشدّ.
"إنتي تعرفي مين؟!"
ابتسمت…
وبصّت لمهند:
"تعرفوه…
بس مش بالكامل.
كنتو صغيرين…
وما تسمّعش الكلام.
وانت يا واد…
لسه مش فاكر هو حصل إيه في الليلة السودة دي…
صح؟"
مهند حس بخنقة.
قعد من غير ما يقصد.
صوته واطي جدًا:
أنا… فاكر حاجات… وناسية حاجات… بس—"
الست رفعت صباعها:
"لسه بدري.
كل حاجة هترجع في وقتها…
بس اللي بيطاردكم؟
مش هيسيبكم تمشوا بعيد.
هو ريحته سابقة خطوته."
أنس زعق:
"انتي مين؟ وليه بتقولي دا؟!"
الست ماردتش.
راحت لباب الكوخ…
وقفلت المزلاج الحديد بخبطة واحدة.
وبصوت أوطى… لكن أوضح:
"لو عايزين تطلعوا من المنطقة دي،
قدامكم تلات طرق…
بس طريق واحد فيهم مش هتطلعوا منه شايلين جنازة."
مهند اتنفض.
"إحنا مش عايزين مشاكل!"
قالت:
"المشكلة هي اللي عايزاكم.
خصوصًا انت يا حبيبي…"
وقربت منه…
ولمست طرف شعره.
مهند اتوتر من اللمسة.
وقالت...
"ريحتك… ريحة أبوك."
أنس وقف قدّامه:
"ابوه؟!
تعرفيه؟!"
الست رجعت خطوة…
وقالت بصوت غامق:
ايه دا؟ انت مكنتش في البيت ولا ايه يامهند؟
مشفتش...ابوك؟!
"ابوك اللي قتل أمّك…عشان كان عاوز يقتلك انت... ولما عرف ان امك عرفت....قتلها عشان مش تاخدك وتهرب بيك يا حبيبي......
وهو نفسه اللي بيدوّر عليكم دلوقتي."
"وهو نفسه اللي بيطاردكم"
مهند حس الدنيا كلها اتسحبت من تحت رجليه.
صوت قلبه أعلى من صوت البخور.
جسمه اتلج.
معدته تقلبت.
وتمتم:
"أب… أبوي؟"
أنس مسكه من دراعه بسرعة:
"ما تسمعهاش. ما تصدّقهاش!"
الست ردت:
"اسأله هو…
مش أنا.
هو اللي مخبّي."
أنس اتصلّب…
والدم اتسحب من وشه.
مهند بصّ له…
بنظرة فيها رعب… وخيانة… وسؤال واحد:
"هي… قصدها إيه؟
إنت… عارف؟"
الكوخ كله سكت.
والبخور ولّع أقوى.
وأنس…
ما قدرش يرد.
واقف متصلب!.....
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
..