الفصل مائة وتسعه: هـــــــــــــروب١٤
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
...
كان الهوا في الغابة أبرد من كل الطرق اللي عدوها…
بارد لدرجة إنه يخش جوّه العضم،
بس أنس ما حسش بأي حاجة…
غير وزن مهند على ضهره، وإيده اللي ماسكة على كتفه كأن حياته متعلقة فيها.
كان بيجري…
مش بسرعته كلها،
بس بالسرعة اللي تمنع مهند يتأذّى لو حصلله حاجة.
وقف تحت شجرة كبيرة، ونزل مهند تاني على الأرض بحرص…
وشه كان شاحب، لونه متسحب…
والدمعة اللي نازلة من جنب عينه نازلة ببطء،
كأنه بيعيط وهو نايم.
أنس قرب منه بسرعة:
"مهند؟ مهند اسمعني… أنا هنا…"
مهند فتح عينه نص فتحة…
نظرة تايهة،
كأن وعيه واقف على طرف باب…
يدخل شوية،
ويخرج أكتر.
صوته طلع مهزوز… ضعيف…:
"هي… قالت… أمي… اتقتلت…؟"
أنس حط إيده على راسه بسرعة:
"مهند بس… بس… ههديك…"
مهند اتلقّف النفس…
والدموع جريت فجأة،
مش دموع خوف…
دموع واحد فقد حاجة كان فاكرها موجودة جواه.
"أنس… ليه… ليه خبيت عليّ؟
كنت عارف… كل دا…
وسايبني…"
أنس قرب أكتر، صوته كان مكسور زي قلبه:
"خفت عليك…
خفت لو عرفت هتتدمر…
خفت لو واجهت الحقيقة بدري… أبوك…
كان ممكن يلاقيك."
مهند زق صدره بإيده الضعيفة:
"أبويا… جاي… يقتلني."
الجملة خرجت كأنها طلقة،
أول مرة يقولها بصوته…
أول مرة يصدقها.
أنس مسك كتفه بايده الاتنين"
"مش هيقرب منك…
مش طول ما أنا واقف…
مش طول ما أنا معاك."
مهند قفل عينينه،
والتنهيدة اللي طلعت منه كانت شبه بكاء مخنوق:
"حاسس… كأن الدنيا… بتضيق…
وكل ما افتكر…
بحس إني… مش قادر أتنفس."
ودخل تاني في الدوامة…
دوامة بين الوعي والنوم…
بين الواقع والذكريات اللي بتخبط في دماغه.
كان كل شوية يفيق نص فايق…
ويرجع يغيب
وهو لسه بيعيط.
أنس كان كل لحظة بيقرب منه…
يطبطب، يهزّه.....
يحاول يصحيه…
مش عشان يمشي…
عشان يتأكد إنه لسه معاه.
"مهند… افتح عينك بس…
قولّي إنك سامعني."
مهند فتح عينه تاني، الدموع لسه ماشية:
"أنس… انا افتكرت...
فاكر الطريق…
فاكر الليله.....
فاكر لما روحت اشوف امي......
فاكر لما… لما قولتلي… إني… مش لوحدي…"
الكلام كسّر أنس...
حسّ كل حاجة جواه بتتكسر مع كل حرف.
"وأنا… يا مهند…
لسه بقولك…
لسه… مش لوحدك."
مهند حاول يقعد…
جسمه مش مستجاب لاي حاجه…
سند راسه على كتف أنس ،
وصدره يطلع وينزل بسرعة.
أنس حضنه بقوة…
بقوة تخوف أي حد يفكر يبعدهم عن بعض:
"هفهمك… كل حاجة…
بس مش دلوقتي…
مش وانت كدا…
مش والليل لسه حافي حوالينا."
كانوا بيمشوا من شجرة لشجرة…
كل ما يسمعوا صوت…
أنس يشيل مهند تاني،
ينقلوا لمكان أبعد…
أعمق…
أأمن—حتي لو الأمان مش موجود أصلاً.
الغابة كانت هادية…
بس الهدوء ده كان جارح…
زي سكون قبل العاصفة.
مهند بعد شوية بدأ ينطق بكلمات متقطعة…
"أنس… متسيبنيش…
مهما… حصل."
أنس ردّ بسرعة… من غير ما يفكر:
"هتفضل معايا…
لحد ما نخرج من كل دا…
ولحد ما تفتكر…
ولحد ما… أبوك مايعرفش يمسك منك هوا."
مهند حاول يبتسم…
بس التعب مسح أي ملامح من وشه.
رجع يغيب تاني…
دمعة جديدة نازلة رغم إنه فقد وعيه.
أنس بص عليه…
وحط إيده على رأسه…
وشه اتشدّ بقلق،
بس جواه كان قرار واحد بس:
"أنا مش هسيبك…
ولا ليلة…
ولا طريق…
ولا خوف."
اتكأ على جذع شجرة…
سند مهند على صدره…
والليل خفّ…
وبدأ لون رمادي يدخل من بين الفروع.
كان الفجر بيحاول يطلع…
بس الرعب اللي في الغابة كان أتقل من النور.
وأنس،
بعينه اللي ما نامتش،
كان لسه ماسك صاحبه…
ومستني…
يوم جديد يبدأ—
حتى لو بدايته خوف.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━