الفصل العاشر: قبل ما السر ينطق
الكوريدور كان فاضي…
ونور اللمبات بقى أضعف من العادي، كأنه بيتردّد يفضل منوّر.
أنس كان ماسك مهند من دراعه، مش مساعده… لا، حافظه.
ومهند كان ماشي، بس خطواته عاملة زي حد لسه خارج من حلم تقيل.
وهوّ ماشيين…
يوسف كان واقف عند آخر الكوريدور، مسنود على الحيطة، وإيده في جيبه.
ابتسامة صغيرة…
ابتسامة من النوع اللي يغيظ حتى الهوا.
أنس شدّ مهند شوية ووقف قدامه، وكأنه سدّ الطريق.
أنس:
"اتفضل. كنت مستني تقول إيه؟"
يوسف رفع راسه براحة…
وحط رجله فوق التانية، كأنه قاعد على المسرح مش واقف في مدرسة.
يوسف:
"ولا حاجة… بس كنت عايز أتأكد إن مهند… بخير."
الجملة نزلت تقيلة.
مش في معناه… في طريقته.
مهند حسّ صدره يتقفل.
صوت ضحكة يوسف من شوية لسه رنانة في ودانه.
أنس قرب خطوة…
صوته نزل واطي، بس ثابت:
أنس:
"إنت بتلعب على إيه؟"
يوسف اتنهد…
زي اللي زهق من إن محدش فاهم الذكاء بتاعه.
يوسف:
"على ولا حاجة…
بس قولّي يا أنس…
هو لسه فاكر آخر ليلة؟
ولا نساعده يفكّر؟"
مهند وقف مكانه.
الهوى بقى تقيل…
كأن الكلمة ضربت زر جوّه.
إيده مسكت طرف التيشيرت…
ورجله رجفت.
أنس:
"مهند؟"
بس مهند ما ردش.
عينه فتحت…
بس مش على يوسف…
على حاجة تانية.
زي إن مشهد قديم كان بيتفتح جوا دماغه بالعافية.
ضوء أحمر… صوت باب بتقفل…
وحد بيقول:
"ما تسيبوش لوحده."
لمحة… ومختفت.
مهند حط إيده على راسه.
مهند (بصوت مش بتاعه):
"يوسف… انت… كنت…"
وقبل ما يكمل، يوسف قطع الكلام بضربة ابتسامة:
يوسف:
"لما تفتكر… قولي.
أنا مستني اللحظة دي بقاله سنين."
أنس فقد أعصابه لحظة…
مسك يوسف من التيشيرت وزقّه على الحيطة.
أنس:
"لو قربت منه تاني…
هخليك تندم."
يوسف ضحك…
ضحكة واطية وباردة:
"متوتر ليه؟
ولا خايف…
السر يطلع؟"
الجملة خلت أنس يسيبه.
مش خوف…
لأ…
لكن لأنه حس إن يوسف بيلعب لعبة أكبر من مجرد استفزاز.
يوسف عدّل هدومه…
ومشي.
من غير ما يبص وراه.
فضل بس ريحته… وصوته.
بعد ما مشي…
أنس بصّ لمهند.
مهند كان واقف، بس مش حاضر.
عينه تايهة…
وصدره بيطلع وينزل بسرعة.
أنس:
"بُصلي… بُصلي بس يا مهند."
مهند حاول يتنفس…
بس صوته خرج متقطع:
مهند:
"في… حاجة… رجعت…
مش فاكرها… كلها…"
أنس مسك إيديه الاتنين:
"أنا معاك.
ومش هسيبك.
بس لازم نعرف هو بيلعب على إيه."
مهند هز راسه…
ببطء…
والخوف واضح.
وبينما هما واقفين…
باب آخر الكوريدور اتقفل لوحده.
تقفيلة ناعمة… لكنها واضحة.
أنس بص للباب…
وبعدين قال بصوت واطي جداً:
"اللعبة… قلبت."
---
الكلمة خرجت من بُقّ أنس…
بس ما كانش يقصد يقولها بصوت عالي.
كأنها طلعت لوحدها…
من القلق اللي بدأ يشيل روحُه.
مهند كان لسه ماسك دماغه بإيده، والتنفس بتاعه شبه مُتكسّر.
أنس قرب منه خطوة،
وبإيده حرّك كتف مهند وقال له:
"تعالى… نطلع فوق.
مش هسيبك هنا دقيقه زيادة."
مهند ما عارضش.
ما عندوش طاقة يعترض أصلاً.
طلعوا السلالم…
والمدرسة بقت هادية بشكل مش طبيعي.
الهدوء اللي يخوّف…
اللي تحس إنه مش هدوء،
لا…
حد بس سكت الصوت عن قصد.
وصلوا لغرفة الأنشطة القديمة… المكان الوحيد اللي كان دايمًا فاضي.
أنس فتح الباب، ونوّر موبايله وحطه جنبهم.
مهند قعد على الكرسي اللي جنب الحيطة…
وصدره لسه عالي ونازل كأنه بيجري من جوه.
أنس قعد قصاده…
وشه لوشه.
أنس:
"بصلي… قولّي اللي شوفته."
مهند حط صوابعه على راسه…
كأنه بيحاول يلمّ حاجة بتتقسم جواه.
مهند:
"مشهد… بس مش كامل.
نور أحمر… زي لمبة كانت بايظة.
وحد… حد قال:
ما تسيبوش لوحده.
وباب… اتقفل."
صوته اتكسر في آخر كلمة.
أنس سكت ثانيتين…
وبعدين بص بعيد،
عينه راحت بعيد جدًا… كأنه بيدوّر في دماغه على حاجة.
أنس:
"ده كان… وقتها؟"
مهند رفع عينه عليه ببطء:
مهند:
"إحنا… كنا مع بعض… صح؟
الليلة… اللي يوسف بيتكلم عنها…
إحنا كنا سوا… مش كده؟"
أنس بلع ريقه.
واضح إن السؤال وجّعه أكتر من الإجابة نفسها.
أنس:
"كنا…
بس مش كل حاجة فاكرها.
في حاجات… أنا نفسي مش متأكد منها."
مهند حسّت رجليه تهتز…
زي ما لو الأرض تحتها مش ثابتة.
مهند:
"طب يوسف…
عارف إيه؟
وبيقول السر هيطلع…
ليه هو فاكر وإحنا لأ؟"
أنس اتنفس ببطء…
شهييييق طويل…
وقال بصوت واطي:
"لأن يوسف…
ما نامش الليلة دي زيّنا."
مهند بص له بحدة…
"يعني إيه؟"
قبل ما أنس يرد…
موبايله رنّ.
رسالة واتساب.
من “يوسف”.
أنس فتحها…
ومهند عينه بتراقب أصابعه.
الصورة اللي ظهرت…
كانت ضبابية…
لكن مفهومة.
مهند وهو صغير…
قاعد على الأرض…
مغطي وشّه بإيده…
ووراه ظلّين.
ظلّ شبه أنس.
وظلّ تاني… أطول… أنحف…
يوسف.
وتحتها مكتوب:
"لسه فاكر الكرسي؟
لسه فاكر الليلة؟
ولا نرجّعك نفتّكر؟"
مهند اتجمد.
وأنس حس الدم يسيب وشه.
مهند (بصوت مبحوح):
"إيه… ده؟
أنس… إحنا… كنا بنعمل إيه؟
إيه اللي حصل؟"
أنس شدّ نفس…
وشه اتغير.
أنس:
"مش هنسيبه يلعب بيك بالسؤال ده.
لو في حاجة حصلت…
إحنا اللي هنفكّرها، مش هو اللي هيفكّرنا."
مهند صوابعه رعشت…
وقال بصوت مش ثابت:
"أنس…
أنا خايف."
ولأول مرة…
أنس ما ردش بكلام.
مد إيده…
وحطها على كتف مهند.
حركة بسيطة…
بس فيها: أنا هنا. مهما حصل.
وبينما هما قاعدين…
حد عدّى برا الباب.
خطوات بطيييئة…
وتوقفت قدّامه.
ثانيتين…
ثلاثة…
وبعدين بصوت خربشة…
حد كتب على الباب من برّه.
أنس وقف فورًا.
ومهند مسك دراعه تلقائيًا.
الورقة اتسحبت تحت الباب.
أنس فتحها.
سطر واحد:
"خليكوا فاكرين…
أنا اللي بدأت.
وأنا اللي هخلّص."
مهند قالها واطي جدًا:
"يوسف… مش بيلعب.
يوسف… محسوب على حاجة."
وأنس؟
وشّه اتبدّل.
"يبقى الليلة…
احنا كمان مش هانلعب."
وليلتهم…
بدأت فعليًا من اللحظة دي.
---