الفصل التاسع: ظل اللي فات

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

الهوى كان بارد…

بس مهند كان حاسس إن الدنيا حرّ، وكأن جلده بيولّع من أقل حركة.

خطوته كانت بتمشي… وبعدها بتتردد.

رجله كانت بتوجعه لدرجة إنه كل ما يغيّر وزنه عليها… وشّه يتغيّر مهما حاول يخبيه.

أنس كان ماشي جمبه… مش لاصق فيه، بس قريب كفاية إنه ياخد باله من كل حاجة.

“مهند… انت ماشي ازاي؟”

قالها بصوت مش عالي… بس مليان قلق ماسكه غصب عنه.

“عادي.”

كلمة قصيرة، بس طالعة من صدر متقلّم.

عين مهند ما بصلوش، كأنه خايف لو بصله… يشوف كل الحقيقة.

هما بيدخلوا المدرسة…

مهند وقف لحظة عند الباب من غير ما يقصد.

مش وقفة راحة… وقفة خوف.

صوت من امبارح ضرب ودنه—ضحكة حد من العيال—ووراه صوت أقدم… أعمق…

ضحكة شبه اللي كان بيسمعها زمان.

عينه غمضت نص غمضة… ثم فتحها بسرعة كأنه بيهرب من صورة جات في باله.

أنس لاحظ.

“مهند… انت سامع إيه؟”

“ولا حاجة.”

لكن النفس اللي بعد الكلمة كان مهزوز.

مشوا شوية…

وفجأة رجله خانته.

وقعة خفيفة—بس وجعها مش خفيف.

وقع على ركبته، وإيده خبّطت الأرض.

اللحظة اتحبست…

وجهه اتشد من الألم، مش بصرخة، لكن بتشنّج ساكن… مؤلم أكتر من الصريخ.

أنس جراله شئ أشبه بالصدمة.

“مهند! قوم، قوم بس بالراحة.”

مهند حاول يقوم بسرعة، كأنه خايف يتحطّ في موقف ضعف،

بس وهو واقف… جسمه كان بيرتعش.

مش رعشة برد… رعشة وجع.

“قلتلك أنا كويس.”

قالها وهو مش قادر يقف مستقيم أصلاً.

لسه أنس هيفتح بقه—

واحد من العيال ظهر من بعيد…

عينه على مهند، وابتسامة صغيرة على جنب وشه.

“العظمة وقعت؟ ما تتعود يا صاحبي.”

قالها وهو ماشي كأنه عابر…

بس الكلمة ضربت جوه مهند زي مطرقة على صدره.

أنس خد خطوة ناحيته.

“كررها؟”

الولد وقف نص ثانية، غبية وواثقة في نفس الوقت.

“بقولك… اتعو—”

أنس مسكه من التيشيرت، شدّه بسرعة غصب عنه.

“لو فتحت بقك عليه تاني… هتندم.”

الولد افتكر إن أنس مش مهزر… واتسحب ورا أصحابه.

لكن قبل ما يمشي… بص على مهند نظرة وحشة، نظرة حد بيقول “لسه هكمّل”.

أنس رجع يبص على مهند…

شاف حاجة غريبة.

مهند كان ثابت… ثابت جدًا.

مش لأنه هادي—لا—ده ثابت من الصدمة.

“مهند؟”

مهند خد نفس… زي واحد بيتعلم يتنفس من أول وجديد.

وبعدين…

باب الفصل اللي جنبهم اتفتح فجأة بصوت عالي.

مهند اتجمّد.

إيده مسكت الحيطة.

عنقه اتصلب.

وعينه اتسعت لحظة… اللحظة اللي ما يفهمهاش غير اللي اتعذّب قبل كده.

أنس قرب بسرعة.

“ايه؟ ايه اللي حصل؟”

“ولا… حاجة…”

لكن صوته كان مرتعش…

الارتعاشة اللي بيعملها عقل فاكر وجع قديم.

أنس مد إيده علشان يمسكه…

مهند شد إيده بسرعة.

“قلتلك سيبني!”

الكلمة خرجت بحدّة… بس الارتعاشة على نهايتها فضحت كل حاجة.

حاجبه نزل… وصوته انكسر وهو بيقولها.

وأنس ساعتها…

شاف حاجة صدّعته.

التشيرت اتحرك وهو بيتنفس بقوة…

وخط أحمر واضح باين على جنب مهند.

“ده كله من امبارح؟!”

سألها أنس بصوت مكتوم… من الغضب، من القهر.

مهند قفل عينه ثانيتين.

اتنفس.

وبعدين قال بصوت مش صوت مهند اللي يعرفه:

“ده… اللي فوق… مش أسوأ حاجة حصلتلي.”

الجملة دخلت قلب أنس زي شوكة.

“يعني ايه مش أسوأ؟ مين اللي—”

“خلص.”

قالها مهند بسرعة… كأنه بيترجّى الموضوع يقف هنا.

بس اليوم ماكنش ناوي يقف.

كانوا ماشيين ناحية الملعب لما ولد صغير من سنة أقلّ جه يجري عليهم.

“باشمهند… المدير عايزك… في المخزن ورا الملعب. ضروري.”

مهند بصله باستغراب.

ليه المخزن؟

ليه مش المكتب؟

بس الولد شكله مش فاهم حاجة… مجرد مرسال.

أنس قال بسرعة:

“استنى… أنا ج—”

“لا.”

مهند قالها بوضوح غريب.

“هاروح لوحدي.”

مشي وهو بيتألم في كل خطوة.

بس الإصرار كان أقوى من الوجع.

وصل للمخزن…

الباب كان مفتوح سنة صغيرة.

دخل.

الهوا جوه كان خانق… وظلمة خفيفة.

قفل الباب.

مش بيده.

وراه…

صوت حد بيقول:

“اخيرًا جيت لوحدك.”

مهند اتجمد.

الصوت…

الصوت ده بالتحديد…

كان نفس نوع الصوت اللي كان بيسمعه في المدرسة القديمة.

حد من العيال خرج من ورا الرفوف.

“قولّي… فاكر ولا لأ؟

فاكر الناس كانت بتتعامل معاك ازاي؟

ولا عايز أفكرك؟”

مهند حس برجله بتهتز… حرفيًا.

الولد قرب…

ضحكته بايخة، بس فيها شيء أخطر.

“اسمع… لسه ما خلصناش لحد دلوقتي.”

ولسه هيكمل—

الباب فجأة اتفتح بسرعة.

نور قوي دخل.

ومهند، واقف في النص…

مش قادر ياخد نفس كامل.

أنس واقف على الباب…

وعينه على صاحبه.

لكن…

العيال هربوا قبل ما أنس يعرف مين كان جوه.

فضل واقف…

على منظر مهند اللي واقف مش قادر يحرك رجله…

وشه أبيض…

وعينه مش شايفة غير الماضي.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

المخزن كان ضلمة…

ضلمة من النوع اللي يخليك تسمع دقات قلبك قبل خطواتك.

التراب ريحته باينة…

والهوى واقف، كأنه خايف يتحرك عشان ميسمعوش.

واللمبة الصغيرة اللي فوق كانت بترعش… تدّي نور بسيط، كأنه بيحاول يقول لسه في أمل.

مهند واقف قدّام الرفوف القديمة، ووشّه نصه في الضيّ ونصه في الضلمة.

أنس دخل وراه، بس واقف وراه بخطوة…

مسافة صغيرة بس كانت عاملة زي حدود آمان بينهم.

أنس:

"طب قولّي… ايه اللي جابك هنا؟"

مهند ما بصّش…

عينيه كانت معلّقة على علبة قديمة فوق الرف.

مد إيده…

وهزّها…

العلبة وقعت في إيده بهدوء، كأنها كانت مستنياه.

مهند:

"فاكر دي؟"

أنس أخد خطوة لقدّام…

وبص.

كان فيها كل القصاصات…

كلمات من أيام ما كانوا لسه عيال،

أذكار، رسومات، هزار تافه…

وحاجات محدش كان يعرف إنها لسه موجودة.

أنس:

"يا نهار… انت اللي مخبّيها هنا؟"

مهند بابتسامة بايظة:

"مخبّي نفسي معاها تقريبًا."

أنس حسّ بحاجة…

مش nostalgie…

حاجة أقرب لوجع في القلب من اللي بيجي لما تفتكر إنك كنت بني آدم أبسط من دلوقتي.

أنس:

"طب ليه ما جبتناش هنا قبل كده؟"

مهند وهو بيفتح العلبة:

"لأن كل حاجة هنا… بتفكرني بحاجة أنا مش جاهز أبصّ عليها."

العلبة اتفتحت…

وأول ورقة كانت بتاعة أنس…

خطّه العريض اللي كان بيكتب بيه نصايح لأي حد إلا نفسه.

أنس قرأ بصوت منخفض:

"لو حسيت الدنيا بتديق… افتح السما."

مهند ضحك… ضحكة باينة إنها خرجت غصب عنه.

وقال:

"إزاي كنت بتكتب الكلام ده وإنت أكتر واحد بتخنق نفسك؟"

أنس مسك الورقة وحطها في جيبه:

"كنت بتفلسف… وكنت محتاج حد يصدق الهري ده."

مهند سكت…

وبعدين قال حاجة محدش كان مستنيها:

"أنا صدّقته… وانت اللي كتبتّه بس أنا اللي عشت بيه."

الجملة وقفت أنس مكانه.

كأن حد شد الفرامل جوه صدره فجأة.

قبل ما يرد…

صوت حاجة وقعت من آخر المخزن.

الرف اللي وراهم اتحرك.

وفيه صوت همسة…

مش صوت تراب…

صوت حد.

مهند لف بسرعة:

"فيه حد هنا؟"

أنس قرب منه خطوة…

مش خوف…

بس instinct إن يكون جمبه.

وبين الرفوف…

ظهر يوسف طالع من الضلمة

ووشّه كله ضحك باااارد…

من النوع اللي تشوفه وتفهم إن فيه مصيبة جاية.

يوسف:

"كنت مستني اللحظة المناسبة…

وملقتهاش أحسن من دي."

مهند رفع حاجبه:

"يوسف… انت بتعمل إيه هنا؟"

يوسف طلع تليفونه…

ورفعه لهم…

وعلى الشاشة صورة قديمة — صورة هما التلاتة، بس وراها كلام مكتوب… كلام من أيام كانوا صغيرين… كلام فيه سر… سر محدش كان مفروض يطلع تاني.

يوسف:

"فاكرين الجملة اللي كنتو دايمًا بتخبوها؟

فاكرين اللي كان مهند بيقول ماينفعش حد يعرف؟

فاكرين الوعد؟"

أنس حس إن قلبه وقع.

مهند اتسمر مكانه.

يوسف قرب…

والابتسامة لسه على وشه:

يوسف:

"أنا قررت… نكسر الصمت اللي بقاله سنين.

الليلة… السر هيطلع."

المخزن بقى أضيق…

والهوى اتقل…

ونظرة بين مهند وأنس قالت كل حاجة:

دي مش مفاجأة… دي بداية حاجة هتولّع كل اللي جواهم.

---

---

بعد ما أنس خلّى ذراعه حوالين كتف مهند وساعده يطلع من المخزن…

كان كوريدور المدرسة فاضي، واللمبات ترمش كأنها بتتنفّس معاهم.

مهند حاول يمشي لوحده، بس رجليه خانته تاني.

أنس شدّه أكتر:

“بس يا مهند… خلاص. هتقوم.”

مهند هز راسه من غير كلام.

وبينما هما ماشيين…

على آخر الكوريدور، كان فيه ظل واقف.

مش باين ملامحه…

لكن صوت ضحكة خفيفة خرجت منه—ضحكة واطية، بس كافية تقطع النفس.

أنس لفّ بسرعة.

الظل اتحرك للخلف… واختفى.

على الأرض تحت رجلين مهند…

كان فيه ورقة صغيرة وقعّت.

أنس مسكها.

سطر واحد بس:

“لسه ما فتحناش كل حاجة… ولسه ما خلّيناهش يفتكر.”

مهند شاف الجملة، وصوته اتكتم…

وركبته اتوّت.

وأنس…

رفع راسه، وعينه اتغيرت تمامًا.

مش غضب…

مش خوف…

بل وعد.

“خلاص…

اللعبة قلبت.”

وخرجوا من الكوريدور…

بينما الباب وراهم اتقفل براحة… كأن المدرسة نفسها بتجهّز اللي جاي.

--

2025/11/24 · 14 مشاهدة · 1274 كلمة
reven
نادي الروايات - 2026