━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الفصل الثامن: لما القديم يصحي
المكان كان فاضي…
ساكت…
مفيهوش غير صوت المراوح البعيدة،
وكأن المدرسة كلها اتفقّت تمشي وتسيب المساحة فاضية همّا بس.
أول حاجة شافها أنس لما وصل…
مش وشّ مهند.
لا.
شاف إيده…
مسلّكة على الحيطة،
صابعه مشدودة كأنها ماسكة في آخر حاجة تمنعه يوعى.
مهند كان واقف…
بس الوقفة دي ماكانتش وقفة بني آدم.
كانت وقفة حدّ نصه واقف… ونصه واقع.
نَفَسه عالي…
منقطع…
مش داخل للآخر.
رجله اليمين بتتهز… حرفيًا.
هزّة صغيرة… منتظمة…
زي آلة متكسّرة مش عايزة تبطل ترعش.
هدومه؟
مش متقطّعة…
بس متشدودة من الكتف، وفيها تجعيدة غريبة…
تجعيدات شدّ،
شدّ ناس كانت ماسكاه مش هزار.
أنس وقف بعيد سنتين…
وبعدين قرب خطوة…
خطوة تخوّف.
“مهند…”
ولا رد.
مش تجاهل…
ده صوت مش عارف يطلع.
حرفيًا.
عارف لما تحاول تقول كلمة…
وجسمك يسبقك ويحبسها؟
هو كان كده.
أنس قرب أكتر:
“بصّلي… بس بصّلي.”
مهند رفع راسه شبر…
مش للآخر.
وعينه ماوصلتش لعين أنس.
وصلت لنص الطريق… ووقفت.
أنس شاف…
اللي مستحيل حد يشوفه غير اللي حافظ تفاصيل صاحبه:
الرعشة في الفك.
والنَفَس اللي بيتقطع.
والصمت اللي صوته أعلى من أي صريخ.
— "هما… مشوا."
قالها مهند بصوت… أقل من الهمس.
مش واضح هو بيطمن نفسه… ولا بيطمن أنس.
أنس قال:
"تعالى… اقعد."
مهند هزّ راسه:
— "لا… لو قعدت، مش هعرف أقوم."
الجملة كسرت حاجة جوا أنس.
“ما تقومش. أنا هنا.”
مهند عض على شفايفه…
وإيده سابت الحيطة لحظة…
لحظة واحدة بس،
ورجليه خذلوه فورًا.
أنس مسكه من دراعه بسرعة…
مش شدّ…
مسكة حماية.
المسكة اللي تقول: “مش هسيبك حتى لو انت سايب نفسك.”
مهند نزل على الأرض…
مش قعدة كاملة،
نص قعدة…
نص وقوع.
حط إيده على رجله… اليمين.
ضغط عليها كأنه بيحاول يفهم:
“هي دي… بتوجعني؟ ولا أنا اللي بوجع؟”
أنس قعد جنبه،
قريب قوي…
بس مش لاصق.
— “عملوا إيه؟”
الكلمة نطّت… مش اتقالت.
زي طلقة.
مهند قفل عينه.
النَفَس اتلخبط.
كأن السؤال ده رجّع الصوت اللي كان بيسمعه وهو متشدود:
ضحك…
شدّ هدوم…
كلمة قليلة القيمة…
حدّ بيقول "تعالى هنا يا جبان".
أنس لاحظ رجله بتهتز أكتر.
مش رعشة خوف بس…
رعشة جسم منهار ولسه واقف بالعافية.
— “ما—ماعرفش…”
والتأتأة دي؟
مهند عمره ما اتأتأ.
ولا مرة.
أنس حس الدنيا بتسخن حواليه.
مش غضب لنفسه…
غضب لحدّ ما يستحملش يبصّله وهو بالمنظر ده.
قال:
“هما عملوا كده قبل كده… صح؟ مش دي أول مرة.”
مهند افتح عينه بخوف حقيقي.
مش خوف من العيال…
خوف من الحقيقة نفسها.
— "بلاش…"
الكلمة طلعت مش كاملة…
مقطوعة زي النفس.
أنس قرّب وشه لشبر من مهند:
“ليه تبقّى لوحدك؟ ليه ما تقوليش؟ ليه كل مرة تشيلها على صدرك؟”
مهند اتهزّ.
كلمة “لوحدك”
لمست الحتّة اللي من زمان بتوجعه.
فجأة…
بمنتهى البطء…
وبصوت متكسر…
مهند قال:
"لما كنت صغير… كانوا يقفلوا عليّا… ويشدّوني… ويضحكوا… و… ويمشّوني بالعافية."
أنس حس كأن قلبه وقع على الأرض.
الكلام مش خطير في شكله…
بس خطير في صوته…
في طريقة خروجه…
في الارتعاشة اللي مسكت كل حرف.
مهند مسك هدومه عند الكتف…
الجزء اللي اتشدّ من شوية…
ومسكه جامد كأنه بيحاول يغطي أثر قديم.
— “كنت فاكر… خلص. بس… ما خلصش.”
الجملة دي؟
هي اللي أنهت أي حاجة اسمها صبر عند أنس.
هو مابصش حواليه.
ما فكرش.
مد إيده وحطها على ظهر مهند…
مش حضن…
لمسة ثبات.
لمسة تقول: “أنا هنا… غصب عنك.”
مهند ماقاومش.
ولا اتبعّد.
ولا حتى حصل رد فعل.
بس نَفَسه خرج…
خرج كأنه كان محبوس جواه دقيقتين.
نزل دمعة.
دمعة واحدة.
ولا صوت.
الصمت كان موجوع…
ومليان.
بعد دقيقة…
دقيقة تقيلة…
قال مهند:
— "رجلي… مش قادرة…"
أنس قرب:
“مش لازم تمشي… هنقعد هنا.”
مهند قال:
— "لو حدّ… شاف…"
أنس قاطع:
— "ياريتهم يشوفوا."
الجملة كانت نار.
نار هادية…
بس حامية قوي.
مهند بَصّله…
أول مرة يرفع عينه من ساعة ما أنس جِه.
في عينه:
خوف…
وجع…
وارتياح جديد،
كأنه لسه فاهم إنه مش لوحده.
━━━━━━━━━━━━━━━━━
الهواء اللي في السطح اتقِطع…
والدنيا بقت سكون قاتل، سكون من النوع اللي يُسمع فيه النفس المرتعش قبل ما يتسمع الكلام.
مهند واقف، مش ثابت…
رجليه بتتراجع خطوة ووراها خطوة، وكأن كل كلمة انس قالها فوق كانت بتسحب منه جزء من نفسه.
عيونه…
كانت أول مرّة تبين إنها مش مستعدة تستحمل.
أنس مدّ إيده، مش لمسه…
بس الج gesture الواحد كان كفاية يفوق الوجع اللي مهند دفنه.
— "مهند… انا معاك. بس لازم تقولّي… دلوقتي."
الكلمة وقعت على مهند زي مطرقة.
ظهره لفّ، وإيده مسكت حافة السور كأنه بيمنع نفسه يوقع.
صدره بيعلا وينزل…
مش تنفّس…
ده كتم، وانفجار، وكتم تاني.
حاول يتكلم…
فتح بقه… وقف… رجع يقفّل بقه تاني…
كأن الحروف نفسها بتقاوم تخرج.
وفجأة…
ركبته اتحرّكت بالعافية.
وقع نص وقعة على الأرض… إيده سندته قبل ما ينهار كامل.
أنس اتصدم:
— "مهند!!"
— "ما تلمسنيش…"
الصوت مش العالي…
الصوت اللي مليان رعب.
مش من أنس.
من اللي جواه.
مهند رفع عينه عليه…
ولأول مرّة، انس شاف فيها طفل…
مش الولد الهادئ اللي عمره ما بيكسر صوته…
طفل اتضرب لدرجة إنه بطل يحس.
كان بيترعش.
مش برد…
ده flashback مسك فيه بكل عنف.
رجله الشمال سحبت نفسها…
زي ما تكون بتفتكر وجع قديم…
ضربة ما راحتش…
أثر ما اختفاش.
— "هما… كانوا…"
وقف.
نفسه اتكتم.
أنس قرب خطوة، وبصوت واطي جدًا:
— "قولّي… وانا مش هسيبك."
الكلمة دي كسرت كل حاجة.
مهند رفع إيده كأنه بيحمي وشه…
نفس الحركة اللي الطفل اللي جواه اتعلم يعملها لما حد يرفع إيده عليه.
رجع بيقّفل على نفسه.
جسمه اتكور غصب عنه.
— "كانوا… يمسكوني من هنا…"
مسك ضلوعه بإيده.
ضغط جامد.
— "ويوقعوني على الأرض… والعربيّة…"
الكلمة خرجت مخنوقة.
عينيه اتزغرطت…
وكأن المشهد رجعله بكل تفاصيله.
أنس حس حرارة بتعلى جواه… غضب… لكن كان بيحاول يفضل ثابت علشانه.
— "كمل… انا سامعك."
مهند هزّ راسه، مش رافض…
لكن مش قادر.
— "كانوا يضحكوا… و… ويمشّوني بالعافية… برجلي دي… لما ضربوها…"
سكت.
نزل دمعة… وراها تانية…
من غير صوت.
مش بكا.
ده انهيار صامت.
رجله فعلاً كانت بتتحرك بالعافية…
وفجأة اتشنجت، وهو حاول يفردها…
وما عرفش.
وقع قعدة كاملة على الأرض…
إيده على ركبته…
ونفسه بيتقطع.
أنس نزل جنبه فورًا… مش قريب قوي…
بس كفاية يفضل معاه في نفس المستوى.
— "مهند… انت مش لوحدك. خلاص. خلاص يا صاحبي… خلاص."
لكن مهند ما كانش سامع.
كان جوّا المشهد القديم…
كل صوت ضحكة…
كل إيد اتشدت عليه…
كل ضربة…
كل مرة وقع وتشلّت رجله…
كان عايشها دلوقتي.
الجسم بيرتجف…
والنَفَس بيجري…
والأرض بتقرب منه كأنه طفل مرعوب تاني.
أنس مدّ إيده ناحية الأرض، مش على مهند…
بس كأنه بيقول:
أنا هنا. قرب لو عايز… بس هفضل هنا.
ثواني…
ثواني طويلة…
لحد ما مهند رفع وشه ببطء…
الدمع كان نازل على خده…
وملامحه كلها مكسّرة.
— "ليه… ليه بيحصل تاني؟"
— "علشان… لأول مرّة انت مش هارب." قالها أنس بهدوء.
مهند لف وشه، وحط إيده على صدره:
— "وجع… مش قادر…"
— "اعرف. بس انا هنا… ومش هقوم."
صمت طويل.
ثقل.
وجع له صوت.
ومهند كان لسه بيحاول يتنفس من غير ما يتكسّر أكتر.
ــــــــــــ