━━━━━━━━━━━━━━━━━━

الفصل السابع: جرح مفتوح

الممر كان مليان أصوات بعيدة…

لكن حواليه كان في سكون غريب.

سكون زي خطوة بتسبق حاجة مش تمام.

مهند خرج من مكتب المدير قبل أنس بخطوة…

وكان ماشي بسرعة من غير ما يحس.

مفيش اتجاه…

مجرد محاولة يهرب من السؤال اللي فضل يرنّ في ودنه:

“حصل قبل كده؟”

الكلمة هزّت حاجة في صدره.

حاجة كان مفروض تفضل نايمة.

صدمة الوقت كانت لسه على وشه…

وحتى لما نزل السُّلّم، رجليه كانت بتاخد خطوات مش موزونة.

ورغم الهروب…

كان فيه إحساس أقوى منه:

إن في حد بيتبصّله.

مراقبة مش عداوة…

مراقبة “مستنية لحظة”.

عند آخر الممر…

تلاتة واقفين مستنّينه.

واقفين بطريقة مقصودة…

زي حد قافل طريق مش عشان يسأل،

لكن عشان يبتدي.

اللي في النص قال بابتسامة مش طبيعية: “المدير بيدوّر عليك فوق… قالك تطلع.”

مهند وقف لحظة.

الموضوع مش راكب.

بس عقله مرهق…

فمشي.

وهم ماشيين…

ضحكة قصيرة خرجت من واحد ورا.

ضحكة مش مضحكة…

ضحكة بتقول “إحنا عارفين رايحين فين”.

الساحة الخلفية… المكان شبه الكابوس القديم

فتحوا الباب…

وظهر المكان ده:

ساحة ضيّقة،

حطة ما بيدخلهاش نور غير من فوق،

كأنها صندوق اتقفل عليه.

مهند وقف مكانه.

القلب اتسحب لتحت.

نفس الإحساس بتاع زمان:

إنك لو اتخنقت هنا… محدّش هيسمعك.

الولد الأول قفل الباب:

– “تعالى… ما تخافش.”

التاني ضحك:

– “باين عليك فاكر المكان… صح؟”

الثالث مال على الحيطة وقال بنبرة لزجة:

– “على فكرة… في ناس من المدرسة القديمة فاكرينك.”

مهند حس بدقة في ودنه.

كأن الهواء اتقل فجأة.

واحد قال:

“فاكر لما كانوا ماسكينك من هدومك…

وانت مش قادر تاخد نفس؟”

التاني كمل:

“ولا فاكر الضربة اللي خلّتك تتني زي ما تكون هتقع؟”

والتالت قرّب وشه:

“أصلنا جِبنا صورة لذيذة من المدرسة القديمة…”

وأخرج موبايله.

صورة…

مهند وهو صغير…

وشّه متورّم، هدومه مبهدلة،

عينه متحمّرة من كتم العياط.

الصورة اللي كان فاكرها دُفنت للأبد.

مهند قرب ياخد نفس…

بس النفس ما دخلش.

الولد اللي وراه حط إيده على كتفه بقوة:

“إنت فاكر نفسك بقيت جامد دلوقتي؟

إحنا بس جايين نفكرك…

إن الماضي ما بيموتش.”

التاني حط إيده على صدره وزقّه زقّة خفيفة…

مش ضربة،

لكن كافية تخليه يتراجع خطوة.

التالت همس:

“إنت نفس الواد اللي كانوا بيشيلوه من الأرض…

فاكر؟

ولا نساعدك تفكر؟”

أصوات زمان رجعت في ودنه:

– “امسكوه!”

– “اضرب!”

– “خد دي!”

– “ما تتمنظرش!”

صوت ضحك عالي…

أرض ترابية…

وجع في بطنه…

ونَفَس بيهرب منه زي الهوا الضعيف.

الولد اللي على اليمين قال:

“هوّ لسه فاكر…

بس محتاج نذكّره زيادة.”

وبمنتهى الهدوء…

اتقدم خطوة.

وبدون تحذير…

بدون كلمة…

ضربه في بطنه ضربة جامدة.

ضربة عميقة.

مش صوتها…

لكن تأثيرها.

الهوا خرج مرة واحدة من صدره.

مهند اتنى نص اتنية…

إيده راحت تلقائيًا على بطنه،

ونفسه وقف.

والدمعة اللي كانت محبوسة…

ما نزلتش.

لأن الألم أقدم من الدموع.

الولد قال:

“هوّ ده بقى مهند اللي نعرفه.”

وأشار للصورة:

“اللي بيقع من ضربة واحدة.”

مش انهيار بيبان…

لأ.

ده الانهيار اللي:

– رجله الخلفية تهتز

– ودنه تزن

– الهوا يتقطع

– دماغه تسوّد

– ويفضل واقف… بس مش واقف

عينه اتمَلّت صور قديمة…

مشهد ورا مشهد…

والأصوات بقت سكاكين صغيرة.

واحد قرب منه وقال بصوت واطي قوي:

“إنت عمرك ما هتكون قوي…

إحنا اللي صنعناك.”

كلمة “صنعناك” دخلت في صدره زي مسمار.

وأخيرًا… العيال يمشوا

مش باندفاع…

لكن بهدوء مستفز.

ضحكة…

هدوم تتزبط…

باب يتفتح.

آخر واحد قال قبل ما يخرج:

“خلي صاحبك ينفعك…

يمكن يعرف يلمّك من الأرض المرّة دي.”

والباب اتقفل.

المكان كله وقف.

مهند مسك الحيط بإيده.

استنشق نفس صغير…

ثم أكبر…

ثم وقف ساكت.

مش قادر يبص قدامه.

مش قادر يقف كويس.

عينه بتلمع…

مش من العياط…

من الصدمة.

الصدمة اللي عمرها سنين.

خطوات جاية بسرعة…

سريعة جدًا.

الباب يتفتح بعنف.

أنس ظهر…

وعينه اتسعت.

قدامه:

مهند…

واقف بس واقع.

صوته محبوس،

نفسه مش مظبوط،

وجسمه متراجع نص خطوة للحيطة.

أنس قرب بخطوتين:

– “مهند؟”

مهند رفع عينه…

النظرة اللي فيها:

مش “تعب”.

مش “خوف”.

مش “وجع”.

النظرة اللي فيها طفل صغير… اتضرب ولسه سامع الضحك.

أنس حسّها قبل ما يفهمها.

وقال بصوت واطي، مكسور بجد:

“مين… اللي عمل كده؟”

ومهند…

لأول مرة…

ما عرفش يقول ولا حرف.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2025/11/24 · 12 مشاهدة · 654 كلمة
reven
نادي الروايات - 2026