الفصل السادس: ما وراء الصمت
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الممر كان فاضي… بس الهوا فيه حاجة خانقة.
الحكاية لسه ما خلصتش—
دي لسه بتبدأ.
مهند كان ماشي قدّام أنس بخطوات سريعة،
ورغم إن شكله ثابت…
بس طريقة تنفّسه ما كانتش مظبوطة.
نَفَس قصير… وبعدين نَفَس أطول شوية…
كأن جسمه مش عارف يستقر.
أنس لحقه:
“مهند… وقف بس.”
مهند ما لفّش…
بس كتفه اتوتر، وكأن الكلمة خبطت فيه.
“أنا كويس.”
قالها بصوت منخفض… صوت مش مقنع حدّ، ولا حتى نفسه.
أنس قرب خطوة:
“انت مش كويس… أنا حافظك.”
لأول مرة…
مهند اتوقف.
مش لأنه عايز، لكن كأنه اتعثر في الحقيقة.
---
قبل ما يتكلموا أكتر،
واحد من التلاتة اللي اتخانقوا معاهم واقف آخر الممر…
ابتسامة بايخة، إيده في جيبه،
ونظرة كلها استفزاز.
“عاملين أصحاب؟”
قالها وهو باصص لأنس.
أنس اتقدم:
“مالك؟ مش خلصتوا؟”
الولد ضحك:
“لسه… دا لسه فيه كلام كتير.
وبصراحة… اللي حصل فوق السطح؟
ما خلصش.”
مهند شد نفسه…
مش من الخوف،
من حاجة أعمق… حاجة شبه الغضب اللي بيفضل ساكت لحد ما يولّع.
الولد قال:
“قول لصاحبك يبطل يدخل في اللي مالوش فيه…
قبل ما يتأذي.”
أنس ما اتحركش.
ولا رجع خطوة.
“أنا اللي هتأذى؟”
قالها وهو بيضحك بس ضحكة مش ضحكة… ضحكة متحدّي.
قبل ما الولد يرد…
مهند فجأة اتكلم:
“سيبه… ومشي.”
الصوت كان هادي…
بس الهدوء ده كان أخطر من العصبية.
الولد بصله:
“ولا إيه؟ هتعمل إيه لو ما مشيتش؟”
مهند ما قالش حاجة…
بس خطوة واحدة لقدّام كانت كفاية.
الولد اتوتر، وابتسامة الاستفزاز راحت.
“تمام… بس ده مش آخر يوم.”
ومشي.
أنس بص لمهند:
“انت كنت هتعمل إيه؟”
مهند ما ردش…
ولسان حاله كان:
“أنا نفسي مش عارف.”
---
بعد نص ساعة،
مسّاحة المدرسة نادت:
“المدير عايز مهند… حالًا.”
أنس وقف في مكانه:
“وأنا؟”
“قال مهند بس.”
مهند مشي…
وأنس وراه زي ظله.
المدير وقدّامه ورق كتير:
“قلت مهند بس.”
أنس رد بهدوء غريب:
“وأنا داخل.”
ومشي ودخل قبل ما المدير يعترض.
المدير ضرب المكتب:
“أنس! اخرج!”
“مش هخرج.”
قالها من غير صريخ…
لكن بعناد يخوّف.
مهند حط إيده على الكرسي…
مش عشان يقعد.
لكن عشان ما يوقعش نفسه.
المدير قال:
“فيه حاجة جديدة… شاهد قال كلام مهم عن اللي حصل يوم الخميس.”
أنس اتوتر:
“تاني؟!”
المصيبة؟
مهند وشه اتغير…
مش غضب.
خوف قديم… متعمّق.
أنس لاحظ.
“مهند… حصل قبل كده؟”
مهند ما ردش.
لمعة صغيرة عدّت في عينه…
فلاش قصير جدًا:
صوت مدرس قديم:
"إنت؟ أكيد إنت اللي عملتها."
ووشوش الطلبة كانت بتبصله…
مش لأنهم شافوه بيعمل حاجة،
لكن لأنه كان دايمًا أسهل واحد يتشاور عليه.
رجع للحظة الحالية بسرعة…
كأنه قفل الباب ده جواه قبل ما يتفتح كله.
ولأول مرة…
أنس شاف الإجابة في عينه.
---
بعد ما المدير خرج يكلم المدرسين،
فضلوا هما الاتنين لوحدهم في المكتب.
أنس قعد على المكتب:
“قولّي…
ده مش أول مرة يتقال عليك غلط مش بتاعك… صح؟”
مهند عض شفته…
وبص للأرض.
ثانية…
ثم ثانية…
“أنا…
اتعودت.”
أنس قرب منه:
“اتعودت على الظلم؟”
مهند هز راسه بنص حركة…
كأنه بيقول “أيوه”…
لكن مش قادر يقولها بصوت.
“ليه؟”
مهند ابتسم ابتسامة قصيرة…
مش ابتسامة بجد.
ابتسامة حد فاكر وجع قديم.
“لما تبقى لوحدك…
الناس بتختار أسهل هدف.”
الكلمة جرحت أنس.
حرفيًّا.
“مش طول ما أنا موجود.”
قالها أنس بصوت واثق.
مهند رفع عينه…
وأنس شاف الارتباك،
والامتنان…
والحاجة الغريبة اللي بين الاتنين.
---
بعد ما خرجوا من المكتب،
الممر كان فاضي بس الإحساس مختلف…
أهدى، لكن أتقل.
أنس وقف فجأة:
“استنى…”
مهند رفع عينه.
أنس قرب خطوة بصوت واطي جدًا:
“لو في يوم حسّيت إنك لوحدك…
افتكر إن أنا واقف هنا.”
مهند اتوتر…
وبص في الارض قبل ما يقول:
“ماحدش قالّي كده قبل كده.”
الجملة وقفت بينهم…
---
قبل ما المدير يرجع،
الباب اتفتح فجأة.
نفس الولد…
واقف، وبصوته الواطي قال لأنس:
“إبعد عنه…
الموضوع مش ليك.”
أنس وقف…
“ولو ما بعدتش؟”
الولد قرب وداس على الكلمة:
“…يبقى هتكون إنت الهدف الجاي.”
وباب المكتب اتقفل.
━━━━━━━━━━━━━━━━━