الفصل الخامس: ظل الماضي
━━━━━━━━━━━━━━
السطح بقى هادي…
لكن الهدوء ده ماكانش راحة.
كان زي اللحظة اللي تيجي قبل ما النار تُمسك في الهوا.
مهند قاعد… ضهره للحائط.
إيده ماسكة راسه…
ووشّه مخبي حاجة أعمق من الوجع.
أنس قعد جنبه…
مش ملزوق فيه ولا بعيد عنه…
المسافة كانت محسوبة كإنه بيقول:
أنا هنا… بس مش هضغط عليك.
“مهند…”
قالها بهدوء، ونبرة ما فيهاش أي استعجال.
مهند اتنفس ببطء…
بس النفس ماكانش داخل.
كأنه بيحاول يبلع غصّة قديمة…
ومش عارف تعدّي.
“هو…”
صوته خرج مكسور.
“هو مش المفروض يحصل كده.”
أنس بصله:
“إيه اللي مش المفروض يحصل؟”
مهند مسح على جبينه…
وصوته نزل واطي قوي:
“إنّي… أسمع صوته تاني.”
الصمت وقع بينهم…
صمت تقيل…
صمت من النوع اللي يخوّف.
أنس ما اتكلمش.
سمح لمهند يختار هو يبدأ منين.
مهند كمل:
“هو مش هنا… مش المفروض يبقى هنا…
بس أنا… لسه سامعه.”
عينه بقت ضباب.
مش دموع…
أعمق من كدا.
اختناق.
“كل ما حد يتهمني… أو حد ينده باسمي بصوت عالي…
أنا برجع…
برجع للي فات.”
أنس قلبه اتخنق.
حاجة جواه اتكتمت.
بس ما اتكلمش.
ومهند كمل…
وكأنه لأول مرة بيقول أسرار ماطلعتش من بقه قبل كدا:
“كان ساعات…
لو حاجة وقعت في البيت…
أو حد اتخانق…
كان يبصلّي…
ويبقى عارف إني ماعملتش حاجة…
بس برضه…
يقولي:
اعترف.
قول إنك غلطت.
إنت السبب.”
إيده اتشنجت على ركبة بنطاله.
“وكنت…
كنت صغير…
وخايف…
فكنت بسكت.
وسكوتي… بقى عادة.”
أنس همس:
“عشان كدا ما كنتش بتتكلم في المكتب.”
مهند هزّ راسه…
مرة واحدة…
تقيلة.
“لما المدير بصلي…
حسّيته… هو.
نفس الطريقة… نفس العين.
كإن الزمن رجع…
والنَّفَس اتحبس.”
---
أنس قرب شوية…
مش كتير.
خطوة محسوبة بس.
“طب… دلوقتي؟
وأنا هنا؟
لسه بتحس إنك لوحدك؟”
مهند ما ردش…
لكن كتفه اتنفض نفضة صغيرة…
من النوع اللي ما يتشافش إلا لو حد واقف قريب وثابت.
فجأة…
بمنتهى البطء…
رأس مهند ميلت ناحيته.
مش على كتفه…
ولا لمسته.
بس قرّبت.
ودي كانت كفاية.
“أنا…
مش متعود حد يفضل.”
قالها ووشّه للتربة الأرضية.
“الناس… بتمشي.”
أنس ابتسم ابتسامة صغيرة قوي…
بس مش شفقة.
ابتسامة شخص فاهم.
فاهم قوي.
“وأنا؟
لو مشيت…
كنت مشيت من أول مرة زعقتلي فيها.”
قالها بخفة.
مهند رمش رمشة بطيئة…
النفس رجعله شوية.
تحسّ إن اللحظة دي…
صغيرة…
بس ليها تأثير كبير عليه.
---
قطع المشهد… حدث جديد
قبل ما أنس يكمل كلامه…
دينغ!
الموبايل بتاع أنس رنّ بصوت منخفض.
بص بسرعة.
وجهه اتغير.
“إيه؟”
سأل مهند من غير ما يرفع راسه.
أنس اتوتر…
والتوتر ظهر في حركة إيده على شاشة الموبايل.
“ده…
محمود.
بيقول… إن المدير لسه بيدوّر عليك.
وبيسأل في الفصول كلها.”
مهند شدّ نفسه.
وقف بسرعة…
أسرع من الطبيعي.
“لا… مش هنزل.”
قالها بحزم مفاجئ.
“بس—”
“قلت مش هنزل.”
صوته ماكانش عالي…
بس كان في ارتجافة خفيفة.
ارتجافة حد خايف إن يرجع للماضي لو نزل السلالم.
أنس وقف قدامه:
“طب… لو المدير مسكك فوق؟ إيه اللي يحصل؟”
مهند سكت…
بس كان واضح إنه مش قادر يرجّع نفسه للمدرسة تاني دلوقتي.
“مهند… اسمعني.”
قالها أنس بخطوة صغيرة أقرب.
“لو هتواجه…
أنا هواجه معاك.”
مهند اتنفس…
نفس طويل…
كأنه بياخد قرار لأول مرة.
“تمام…”
قالها بصوت هادي… ضعيف… بس ثابت.
“بس… نمشي من طريق تاني.”
---
أنس ابتسم:
“معاك.”
ومهند…
بخطوة محسوبة…
اتجه لباب صغير على يمين السطح.
باب قديم…
محدش بيستخدمه…
بيقود لممر جانبي مقفول من زمان.
أنس قال:
“إنت تعرف المكان دا؟”
“مكان محدش بيدخله.”
رد مهند وهو بيمد إيده للباب.
“ومحدش يدور علينا فيه.”
بس قبل ما يفتح الباب…
صوت خطوات ناعمة…
قريبة جدًا…
جاية على السلم.
أنس اتشنج.
“حد طالع…”
مهند اتجمد.
إيده على قبضة الباب…
وعينه اتسعت لحظة.
والخطوات…
قربت أكتر…
أكتر…
أكتر…
━━━━━━━━━━━━━━