━━━━━━━━━━━

الفصل الرابع: انين الماضي

السطح كان ساكن…

ساكن بطريقة تخوّف.

الباب لسه بيرتجّ من الخبطة اللي دخلت بعدها العيال…

والهوا فوق المدرسة كان تقيل كأنه واقف يتفرّج.

أنس واقف قدام مهند، صدره طالع نازل…

مش عشان خايف على نفسه،

لكن عشان مهند وراه…

وساكت بطريقة مش طبيعية.

“إحنا لسه مخلصناش يا مهند.”

قالها الطويل وهو بيقرب.

أنس مد إيده خطوة بسيطة… كأنه حاجز بشري.

لكن قبل ما أنس يتحرك…

مهند هو اللي خطوة لقدّام.

خطوة واحدة بس…

بس حسست الدنيا كلها إنها وقفت.

ولما وقف…

وشّه اتغيّر.

مش الوش الهادي اللي كلهم عارفينه.

ومش البارد اللي بيتخبّى وراه طول الوقت.

كان وشّ… مشدود.

كأن حد شدّ خيط جوا صدره فجأة.

“أي حد هيلمس أنس…

هيبقى لمسني أنا.”

الجملة خرجت ببطء…

بطء يخوّف.

بطء كإنه بيحارب مليون كلمة كان نفسه يقولها من زمان.

---

العيال اتصدموا من طريقته… حتى أنس.

لكن في اللحظة دي بالتحديد…

مهند حس بصداع مفاجئ.

مش صداع…

ده صوت.

“اسكت.”

“مش مهم أنت عملت إيه… المهم إنك دايمًا الغلطان.”

“لو كنت زيهم… مكنش حد اتهمك.”

جمل قديمة خبطت في دماغه زي حديد سخن.

صوت حد كبير…

حد من الماضي.

حدّ كان دايماً يدفنه بصوته.

ومع كل كلمة…

نَفَسه اتقطع ثانية صغيرة.

أنس لمح ده.

“مهند…؟”

قالها بصوت منخفض.

لكن مهند ما ردش.

عينه اتحركت ناحية الأرض…

وبعدين رجعت للعيال.

كأنه بيحاول يفصل بين الصوت اللي جواه… والمشهد اللي قدّامه.

---

التوتر بيزيد…

الطويل ضحك:

“ياه… البارد اتكلم. أنت فاكر نفسك مين؟”

واحد تاني قرب:

“دا حتى لما اتّهموه في المكتب… كان واقف ساكت زي الجبان.”

الكلمة دي…

جبان.

هي المفتاح.

هي اللي بتفتح باب جواه…

باب كان مقفول بإقفال صَدَد.

ولما اتفتح…

الجو كله اتقل.

مهند افتكر…

الليل،

والغرفة الضيقة،

والصوت اللي بيزعق فيه…

“ما تفتحش بقك! اقعد واسكت!”

“أنت السبب في كل حاجة بتحصل!”

“مش هتكلم؟ يبقى اعترف!”

وهو صغير…

واقف…

واقف ودموعه نازلة بس من غير صوت.

كان فاكر إنه نسي.

بس لأ.

الماضي كان واقف قدّامه دلوقتي…

بس مش في صورة الشخص اللي وجّعه…

في صورة عيال واقفة بتكرر نفس الكلمات.

---

أنس حس الألم ده قبل أي حد.

مش شايف الذكرى…

بس شايف أثرها.

“مهند، إسمعني…”

مد إيده لمهند بخفة،

اسمه اتقال بنبرة حاول يخليها ثابتة.

لكن العيال دخلوا في النص.

“إيه؟ هتحميه؟ ولا هو اتحامى فيك؟”

“دا طفل! واقف مستخبي!”

“إحنا بنخوفكوا؟”

المرة دي…

أنس اتحرك خطوة واحدة لقدّام،

مباشرة بين مهند وبينهم.

“إبعدوا.”

قالها بوضوح، من غير ما صوته يرجّ.

التلاتة ضحكوا…

بس ضحكتهم كانت قصيرة.

لأن مهند…

ولأول مرة في حياته…

مسك كتف أنس وسحبه وراه.

مش شدّة،

بس مسكة وراها ست سنين وجع مكبوت.

---

“مش هو اللي قدامكم.”

قالها مهند بصوت هادي…

هادي بطريقة تخوّف أكتر من الزعيق.

“أنا اللي عايزكم.”

الطويل اتفزّع لحظة…

خد خطوة لورا غصب عنه.

في اللحظة دي…

الهوا اتغيّر.

أنس نفسه حسّها.

ده مش مهند اللي اتعود عليه.

ده مش الولد الهادي اللي بيهرب من المواجهة.

ده واحد…

واقف بيحارب حد مش موجود…

حد جواه.

عينه ما كانتش باصة للعيال بس…

كانت باصة لـ “صوت” قديم.

وكان بيقول له:

مش هسكت تاني.

---

وجع جديد ضرب في صدغ مهند.

كأنه حد خبطه من جوه.

شاف صورة سريعة:

إيده الصغيرة ماسكة طرف قميص حد…

وحد تاني بيبعده بعنف.

صوت عالي:

“هتبوظ كل حاجة! دايمًا بتعمل مصايب!”

رجع للحظة…

أنفاسه اتقلّت.

أنس قرب منه خطوة صغيرة جدًا،

وقال بخفوت:

“إنت مش لوحدك… سامعني؟”

الكلمة دي…

كسرت حاجة جواه.

كسرت الحلقة اللي كانت ماسكاه من رجله.

الماضي شدّه…

بس صوت أنس…

كان زي ضوء صغير وسط العتمة.

---

العيال اتقدموا بخطوة.

أنس رفع إيده،

بس قبل ما يعمل أي حاجة…

مهند هو اللي اتحرك.

مش ضرب.

مش اندفاع.

لكن وقفة ثابتة…

صريحة…

زي جبل ثابت.

“لو قربتوا منه…

هقرب أنا منكم.”

نبرة مهند كانت غريبة…

مش عالية،

بس تقيلة…

وأعمق من عمره.

العيال اتلغبطوا.

فيه حاجة “مش طبيعية” حصلت.

كأن الشخص اللي قدّامهم…

فجأة بطل يبقى شخص بس.

بقى “كتلة غضب ساكن”.

واحد قال:

“هو اتجنن ولا إيه؟”

التاني ابتلع ريقه:

“سيبك… يلا نمشي.”

وبدون أي كلمة زيادة…

التلاتة تراجعوا.

وباب السطح اتقفل وراهم.

---

بعد العاصفة…

الهوا سكت.

السطح بقى أوسع.

والدنيا رجعت تهدى.

أنس بص لمهند…

وشاف اللي محدش في المدرسة شافه قبل كدا:

وشّ واحد لسه طالع من معركة… بس مش معركة برّه.

معركة جواه.

“مهند…”

قالها أنس.

مهند قعد على الأرض…

زي اللي فجأة رجله مبقتش شايله.

مسك راسه بإيده…

وقال بخفوت:

“أنا… مش كويس.”

الجملة خرجت بصعوبة.

وكأن كل مرة يتذكر فيها الماضي…

جسمه بيكش.

وصدره بيضيق.

أنس قعد جنبه ببطء،

من غير ما يقرب زيادة…

ولا يلمسه.

“أنا هنا.”

قالها بهدوء.

“لو عايز تتكلم… ولو مش عايز. أنا هنا.”

ومهند…

لأول مرة…

صدق الجملة.

━━━━━━━━━━━

2025/11/23 · 20 مشاهدة · 746 كلمة
reven
نادي الروايات - 2026