---
الفصل الثالث: اتهام بلا شاهد....
الجو في المدرسة كان مختلف النهارده…
مش عارفين ليه، بس الكل كان ماشي بسرعة، وصوت الحركة أعلى من الطبيعي… كأن في حاجة كبيرة هتحصل ومحدش واخد باله.
أنس دخل من باب المدرسة وهو ماسك شنطته بإيد واحدة…
وبإيده التانية بيعدّل السماعة في ودنه، بس عقله مش مع الأغاني… عقله عند واحد بس.
مهند.
هو مش من نوع اللي يتأخر،
ومش من نوع اللي يغيب من غير سبب.
بس النهارده… مهند مش موجود.
أنس وقف في نص الساحة، وعينه بتلف تفتش وسط الناس…
لحد ما لمس كتفه واحد زميله.
“بقولك.....مهند قدام مكتب المدير!
أنس استغرب: “ليه؟”
“شوفت المدرس بتاعهم بيكلم حد في الإدارة عنه… شكله عامل مصيبة.”
أنس قلبه نزل لتحت.
مهند؟
مصيبة؟
إزاي؟ وهو أصلاً ما بيتكلمش مع حد.
مشي بسرعة ناحية المبنى…
قلبه بيخبط وهو مش فاهم ليه متوتر كدا.
وهو طالع على السلم… لمح مهند.
واقف فوق، ضهره للحائط، ووشّه مرهق بطريقة مش شبهه.
كان فيه ورقة مطبقه في إيده… مسكها كأنه ماسك حاجة بتلسعه.
أنس قرب…
بس قبل ما يتكلم، مهند رفع عينه.
النظرة اللي كانت في عينه…
مش غضب.
ولا برود.
ولا لامبالاة.
كان فيها خوف… خام… وصافي.
“مهند… إيه اللي حصل؟”
مردش.
مدّ له الورقة.
أنس فتحها…
ولما قراها، الدم برد في عروقه.
"استدعاء ولي أمر بسبب حادثة يوم الخميس"
أنس رفع عينه: “حادثة إيه؟
مهند شد الورقة من إيده: “ما يخصّكش.”
قالها بنفس البرود…
بس ما كانتش برود.
كانت محاولة يخبي حاجة.
أنس خط خطوة لقدّام: “مهند… في إيه؟ حصل لك إيه؟”
مهند لف وبدأ يمشي: “ما تدخلش.”
لكن أنس مسك دراعه…
واللحظة دي....
مهند وقف.
جسمه اتشد…
وكأنه حد فتح باب مش المفروض يتفتح.
“انت… خايف؟”
الكلمة دي كسرت حاجة جوه مهند.
مش خوف…
ذكري.
ولأول مرة…
الماضي طلع لوحده من تحت جلده.
---
فلاش صغير… من اللي ما كانش المفروض يبان
صوت حد بيزعق…
خطوات تقيلة…
باب بيتقفل جامد…
وصوت أنفاس طفل صغير بيحاول يختفي في رُكن، يتمنى الأرض تبلعه.
“لو غلطت تاني… مش هتعرف توقف على رجلك.”
ثم ظلام.
ظلام طويل قوي.
---
رجع للحاضر بسرعة كأنه خد نفس تقيل بعد غرق.
أنس شاف كل دا في ثانية… مش الصورة، لا… شاف الانهيار اللي اتحبس في عين مهند.
“أنا… مش بخاف.”
قالها مهند بصوت واطي…
لكن صوته خانُه.
أنس بص له بنظرة هادية…
من غير شفقة… بس فهم.
“طب قولي… عشان أساعد.”
مهند زقه: “أنا قولتلك… سيب الموضوع.”
لكن قبل ما يمشي…
ظهر ثلاث طلاب من فصل تاني، واقفين قدام السلم، ومبينين إنهم مستنيينه.
واحد منهم قال: “تعالى يا بارد… المدير عايز يشوفك. ولا خايف؟”
أنس اتحرك فورًا: “خايف؟ هو انت مت…”
مهند مد إيده وسكت أنس قبل ما يكمل الكلمة.
“ما تتكلمش.”
عيون مهند كانت مرعوبة…
مش من العيال.
من الكلمة.
واللي بعدها حصل بسرعة:
العيال حاولوا يمسكوه من دراعه…
أنس زقّ واحد فيهم…
مهند اتخض…
والورقة وقعت على الأرض.
وصوت جديد اتسمع من آخر الممر:
“ايه اللي حاصل هنا؟!”
مدير المدرسة.!
---------
الممر اتجمّد على صرخة المدير.
الثلاثة طلاب سابوا مهند فورًا… وأنس وقف قدّامه خطوة، كأنه بيغطي عليه من غير ما يحس.
المدير قرب وهو باصص للورقة اللي على الأرض،
واللي كان مكتوب فيها “حادثة يوم الخميس” بخط واضح.
“مين وقع؟”
قالها المدير بنبرة تقيلة.
العيال تردّدوا، لكن واحد فيهم قال بسرعة: “هو يا أستاذ… مهند… هو اللي عمل المشكلة.”
مهند شبك إيده في بعض…
مظهره كان هادي زي العادة، بس أنس عارف…
الهدوء دلوقتي ده مجرد قشرة.
المدير بصّ لأنس: “وإنت؟ داخل في النص ليه؟”
أنس بلع ريقه: “أنا… كنت بسأل على—"
“اسكت.”
قالها المدير بقسوة.
“كلّكم مكتبي… دلوقتي.”
---
جوا مكتب المدير
المكتب ضيق… والموقف أضيق.
الخريطة الكبيرة على الحيطة، والدولاب الحديد… وسكون يخوّف.
المدير قعد… وبدأ يقلب في ورق شكوى متكومة.
“حسب الشكوى… فيه طالب اتعور يوم الخميس… وتصادف إن المهند كان آخر واحد اتشاف في نفس الممر.”
أنس لف فجأة: “إيه؟! دا مهند كان—”
مهند لمس دراع أنس تحت المكتب…
لمسة صغيرة جدًا.
“بلاش.”
الكلمة دي اتقالت من غير صوت…
أنس فهمها من عينه بس.
لأول مرة… مهند بيطلب منه حاجة.
المدير كمل: “عندي كام طالب شاهدين… وأولهم التلاتة اللي كانوا معاكم بره.”
العيل الطويل قال: “احنا شفناه… كان بيزعق للولد، وبعدها الولد وقع.”
أنس انفجر: “هو ما يزعقش أصلاً! ده ما بيقولش جملة كاملة من غير ما حد يشده!”
المدير ضرب المكتب بإيده: “أنس! اقعد مكانك.”
أنس رجع مكانه وهو بيغلي.
المشكلة؟
مهند ساكت… كأنه موافق.
المدير بص لمهند: “عندك حاجة تقولها؟”
ثانية…
ثم ثانية…
ثم ثانية كاملة من الصمت اللي يقطع النفس.
مهند قال أخيرًا: “مفيش.”
أنس اتصدم: “إيه؟! إزاي مفيش؟! إنت مش عملت حاجة!”
مهند ما بصّش عليه…
بتجنب عينه كأنه خايف من نظرتها.
المدير قال: “تمام. استدعاء ولي الأمر… وإيقاف يومين لحد ما نفهم الحقيقة.”
أنس وقف: “لأ! مهند ما عملش حاجة! انتو مش—”
ومرة تانية…
مهند مسك دراعه.
الماسكه دي مش بتاعته…
ولا عمره لمس أنس قبل كدا بالطريقة دي.
“اقعد.”
صوت هادي… لكنه كان مليان حاجة…
رجاء؟
خوف؟
استسلام؟
أنس نفسه مش قادر يحدد.
قعد وهو قلبه بيولع.
---
بعد الخروج من المكتب
المدرسة كانت بدأت تهدى…
بس أنس مولّع.
“مهند! ليه سكت؟! ليه ما دافعتش عن نفسك؟!”
مهند مشي بسرعة…
ما وقفش غير لما وصل للسطح… المكان اللي محدش بيطلعله.
فتح الباب وصعد.
أنس وراه.
لما الباب اتقفل وراهم…
مهند وقف…
وسند إيده على السور.
ووشّه اتكشف.
مش هادي.
مش جامد.
مش بارد.
مكسور.
أنس وقف جنبه… بس ما قربش زيادة.
“ليه سكت؟”
قالها بنبرة هادية، مش زعيق.
مهند بلع ريقه…
وبص للسور، مش لأنس.
“لأني…
متعود.”
“متعود على إيه؟”
ثانية صمت…
والهواء فوق السطح كان أبرد من الطبيعي.
“لما حاجة تحصل…
حتى لو مش أنا…
بيتقال إنها أنا.”
أنس ضاق صدره: “ليه؟”
مهند ضحك ضحكة قصيرة… ضحكة وجع.
“عشان…
أنا اللي محدش بيقرب منه.
فأسهل حد يتلصق فيه الغلط…
اكيد هو اللي لوحده.”
الكلمة دي خبطت في قلب أنس.
“وأنا؟”
قالها بصوت منخفض.
“مش أنا واقف جنبك؟”
مهند بصّ له لأول مرة…
بصّة كاملة… من غير ما يهرب.
وفي البصّة دي…
كان فيه سؤال صغير قوي،
يمكن هو نفسه مش قادر يقوله:
“ليه؟ ليه بتقرب؟”
أنس قال بهدوء: “لإنك مش لوحدك…
إلا لو إنت بنفسك اللي عايز تبقى لوحدك.”
مهند اتنفس تنفّس طويل…
كأنه بقاله سنين مش قادر يتنفس صح.
وفجأة…
باب السطح اتفتح بقوة.
العيل الطويل واقف…
وورا منه اتنين تانيين.
“إحنا لسه مخلصناش يا مهند.”
أنس وقف قدام مهند فورًا.
“لو عندكم كلمة… تقولوها لي أنا.”
الثلاثة ضحكوا.
“أنت؟
إحنا جايين ننضّف غلطته…
مش نسمع فلسفتك.”
واحد منهم قرب…
وأنس ما اتحركش.
لكن اللي محدش كان متوقعه…
مهند هو اللي خطوة لقدّام.
وعينه مش باردة.
مش خايفة.
مشتعلة.
“أي حد هيلمس أنس…
هيبقى لمّسني أنا.”
والجملة…
كسرت السطح كله.
-