2 - ما بين ندم وصمت.

الفصل التاني: ما بين ندم وصمت

قبل أي كلمة بتوجّع… بيبقى فيه لحظة بسيطة، محدش بياخد باله منها، بتغيّر شكل اليوم كله.

لحظة هدوء غريب، وكلمة اتقالت بنبرة مش مقصودة، وواحد بيقرب… والتاني لسه مش جاهز.

وفي مدرسة شكلها عادي… كانت بداية حكاية مش عادية خالص.

---

كان الطابور لسه ما خلصش، والطلبة واقفين بعشوائية وكأن كل واحد فيهم بيحاول يهرّب خمس دقايق زيادة قبل الحصة الأولى.

أنس كان واقف في الصف اللي جنب مهند… بس المسافة بينهم كانت أكبر من صفّين.

هو الوحيد اللي كان واخد باله إن مهند مش بيبص لحد، وإن هدوءه وسط الزحمة مش طبيعي.

قرب له.

مش قوي… خطوة صغيرة بس.

“صباح الخير يا مهند.”

قالها أنس بنبرة خفيفة… كأنه بيختبر الجو الأول.

مهند بصله لمحة سريعة… ورفع حاجبه من غير ما يتكلم.

“يعني… مش هترد ولا إيه؟”

ضحك أنس بخفة.

“صباح الخير.”

قالها مهند… بنفس البرود اللي يخلي الكلمة تخرج من غير أي حرارة.

أنس حسّها…

مش زعل، بس استغرب.

“يا عم دا أنا بقول الكلمة من قلبي… ردّك عامل زي حد صاحي بالعافية.”

مهند رجّع نظره قدّامه:

“أنا مش بتكلم كتير الصبح.”

الكلمة كانت بسيطة…

بس وقعت في قلب أنس كأنه بيقول له: ما تقربش.

---

دخلوا الفصل بعد الطابور، والمدرس كتب فقرة على السبورة وطلب منهم يقرّوها بصوت عالي.

طبعًا… الدور جه على أنس.

قام واقف، وبدأ يقرا…

بس وسط القراءة، اتلخبط في كلمة.

ضحك حد من وراه.

أنس حاول يكمل… لكن اللخبطة زادت، وصوته اتكسر شوية.

مهند كان قاعد في الصف اللي قدّامه.

ما بصش ورا، ولا ضحك…

بس كأنه شد ودنه.

بعد ما الحصة خلصت، أنس رجع قعد في مكانه، ساكت.

وده مكانش شبهه.

مهند لمحه…

وبعد دقيقتين من الصمت قال بنبرة هادية زيادة:

“أنت بتتلخبط ليه؟ الكلمة سهلة.”

أنس اتجمد لحظة.

“أه… شكراً يعني.”

الجملة خرجت بنبرة وجع بسيط… اللي يكتم نفسه لما حد يجرحه من غير قصد.

مهند ما خدش باله…

أو خد بس خبّى.

---

في الفسحة، أنس كان واقف بعيد شوية، مسنود على الحيطة، ماسك عصير وبيشرب من غير نفس.

المفروض الفسحة أكتر وقت بيبقى فيه عايش… بس لأ.

كان ساكت.

مهند عدّى من قدّامه وهو رايح يشتري مية.

بص عليه بنص عين.

“مالك؟”

أنس ضحك ضحكة باهتة:

“ولا حاجة… كلمة كدا وجعت شوية.”

مهند وقف.

الوقفة دي لوحدها كانت غريبة.

هو مش من نوع اللي يقف عشان يفهم حد.

“أنا قلت كلمة؟”

أنس:

“آه… لما قولتلي الكلمة سهلة. افتكرتني غبي؟”

مهند رد ببساطة… بس برودة:

“ما قولتش كدا. أنت اللي فهمتها غلط.”

وبعد الكلمة دي…

مشّى.

ووجّه أنس بصّه للأرض، وقال لنفسه:

“هو أنا اللي كبيرها؟ ولا هو فعلاً مش بياخد باله؟”

---

بعد اليوم الطويل…

المدرسة فضيت، والطريق لبرّه كان شبه هادي.

مهند كان ماشي لوحده كالعادة.

بس لأول مرة… وقف.

ليه وقف؟

عشان جت في دماغه الجملة اللي قالها لأنس.

هي الكلمة فعلاً تضايق؟

أنا كنت بقصد إيه؟

وليه أنس أصلاً فضل يفكر فيها؟

هز راسه…

وحس بحاجة غريبة، حاجة شبه ثِقَل في صدره.

مش ذنب… بس إدراك إنه يمكن فعلاً كلامه ناشف زيادة.

بس كلامه عمره ما كان مقصود.

---

أنس كان واقف عند باب المدرسة يستنى حد ياخده.

باين عليه إنه نسي الموقف…

أو بيحاول ينساه.

مهند كان خارج، وشافه.

عدّى جنبه…

وبعدين رجع خطوة ورا.

“أنت اتضايقت مني؟”

أنس اتفاجئ.

“إنت… بتسأل؟”

“لو كلمتي جرحتك… مش قصدي.”

قالها مهند وهو مركز في الأرض مش في وش أنس.

أنس ضحك بخفة…

“يا عم أنا فاهم. أنت بس كلامك ساعات بيطلع كدا. بس برضه… بحاول أفهمك.”

مهند رفع راسه وبصله:

“ما تحاولش. أنا بحب أبقى لوحدي.”

الجملة دي…

كانت زي قفل باب قُفل قدّام وشه.

بس الغريب؟

إن أنس ما لفّش ومشي.

كمل واقف… وكأن الكلام ده مش هيمنعه من حاجة.

“تمام… خليك لوحدك.”

قالها بابتسامة خفيفة.

“بس مش هبعد.”

مهند ما ردش…

بس لأول مرة…

ما مشيش.

اتأخر نص خطوة، وكأن رجله اتقلّت.

---

بداية مش مريحة…

بس بداية حقيقية.

مهند لسه مقفول، ولسه كلامه جارح من غير قصد، ولسه بيهرب من القُرب.

وأنس لسه بيقرب… حتى لو الباب مقفول.

والحكاية لسه في أولها.

2025/11/22 · 18 مشاهدة · 644 كلمة
reven
نادي الروايات - 2026