الفصل مائة واحدي عشر: هـــــــــــروب١٦
———————————————
الهوا في الغابة كان أبرد…
مش برد الجو—
برد الخوف.
أنس كان قاعد على الصخرة…
ضهره للريح…
وجسم مهند متكور في حضنه، راسه على صدره، وإيده ماسكة قميص أنس جامد…
كأنه لو ساب القماشة دي ثانية واحدة، الدنيا كلها هتوقع عليه.
ولسه… الدموع نازلة من عينه،
حتى وهو نايم نص نومه ونص إغمائه.
أنس كان ماسك نفسه بالعافية.
مش قادر ينهار…
مش مسموح له ينهار.
مش قدّام مهند.
قرب بوشه على شعره وقال بهمس، كأنه بيكلم حد بيتوجع من جوه:
"مهند… أنا هنا…
هنا لحد ما عقلك يرتاح… لحد ما عينك تبطل تخاف."
بس الخوف ماكانش يسايب مهند.
جسمه كان بترعش رعشة خفيفة…
كل شوية نفسه يقطع،
وجفونه تتحرك كأنه بيشوف حاجة مش المفروض يشوفها.
وفجأة—
"آااه…"
طلع منه صوت موجوع…
مش صرخة…
لكن وجع غريق طالع على وشّ الميّة.
وعينيه اتفتحت…
مكسورة…
متلخبطة…
وحمراء لدرجة إن أنس حس إنها بتوجعه.
"أنس…؟"
الصوت خرج صغير…
أصغر من أي وقت فات.
أنس شدّه عليه أكتر:
"أنا هنا… قولّي… مالك؟!
"أنا… خايف…"
قالها وهو بيتنفس بسرعة…
"كل… كل ما أقفل عيني… بشوف… بشوف ماما…
وبشوفه…هو....
وبشوف… أنا صغير… وبجري…
وبعدين…"
دموعه غرقت خدوده.
ونفسه اتكعبل.
وحس إنه هيتقيّح من الخضة اللي رجعتله.
أنس مسك وشه بين إيديه: "بُصلي… بُصلي هنا…
مهند....
ركز…
انت معايا… مش مع اللي في دماغك."
مهند عضّ شفايفه…
جسمه كله اتشنّج من عياط مكبوت:
"هو… ابويا…؟
هو اللي… قتلها؟
ليه…؟
ليه يعمل كدا…؟
ليه يسيبني سنين… ويرجع… عشان يخلص عليّ…؟
أنا… أنا عملتله إيه؟"
أنس حس قلبه يتقطع.
شاف حاجات كتير…
بس الوجع اللي في صوت مهند؟
ده جديد…
ده مش وجع خوف…
ده وجع قلب مكسور.
قرب منه…
حط راس مهند على كتفه…
وبصوت هادي لكن صلب:
"مهند…
إنت ولا يوم كنت السبب في حاجة.
ولا يوم كنت الغلط.
فيه ناس… الشر جوّاهم قبل ما يتولدوا…
وإنت…
إنت أطيب من إنك تستوعب ده."
مهند كمل وهو بيعيط…
"متسيبنيش…
لو… لو فضلنا نهرب…
لو هو جاي…
و… ووقعت تاني…
متسيبنيش يا أنس… بالله عليك."
أنس حضنه بقوة…
قوة تخلي أي حد يصدق إن الدنيا كلها واقفة على اللحظة دي.
"مش هسيبك…
مش هسيبك حتى لو الدنيا ولعت حوالينا.
فاهم؟
أنا هنا…
ومهما عمل…
مش هياخدك مني."
مهند عضّ على أسنانه…
وطلع صوت بكاء مكتوم…
الصوت اللي بيطلع لما حد خلاص مش قادر يمسك نفسه.
ولسه ماسك أنس…
ومرة واحدة—
وقع تاني.
مش إغماء كامل…
ولا صحصحة كاملة…
حاجة بين الاتنين…
تنهيدة طويلة…
نفس بيقطع…
وعينه بتقفل وهي لسه بتنزل دموع.
أنس مسك دماغه : "مهند… مهند…؟
اسمعني… لو هتنام… نام هنا… جمبي…
مش بعيد… مش بعيد."
مهند بصوت مبحوح وهو تائه بين النوم والصحوة: "أنس…؟"
"أيوه."
"ما تفلتش…"
أنس شد إيده عليه: "عمري ما هفلت."
اطمن يا مهند....
——————————————