الفصل مائة واثني عشر: هــــــــــــــروب١٧
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
..
الليل كان طويل..…
كانه مش عاوز يخلص.....
والشجر واقف كأنه جيش ساكت،
وأنفاس أنس ومهند هي بس اللي بتكسر السكون.
مهند كان نايم علي كتف أنس…
لكن نومته ماكانتش نوم.
كانت هروب… هروب نصه واعي، نصه تايه، ونصه خايف يرجع يفتح عينه.
أنس في كل لحظة…
كان حاسس إن روحه نفسها واقفة على حرف.
إيده على ظهر مهند،
يمسح من غير ما يفكر،
كأنه بيطمن طفل تعب من الجري… مش واحد عمره كله اتحول كابوس فجأة.
وفجأة…
جسم مهند شدّ.
نفسه اتسحب بقوة…
وبعدين خرج بصرخة صغيرة اتكسرت في حلقه:
"لا… لااا… سيبني…!"
أنس حضنه جامد،
قلبه وقع لكنه ماخلاش إيده تهتز.
"مهند… اسمع صوتي. أنا هنا… أنا معاك."
عين مهند فتحت،
مش مفتوحة… ومش مقفولة…
نصها شايف أنس،
ونصها بيشوف حاجة تانية… أبعد… أغمق.
"أنس؟"
الصوت كان مبحوح… كأنه طالع من قاع بير.
"أنا… أنا كنت هناك تاني…"
دمعة نزلت وهو بيحاول يتنفس.
"كنت سامع خطواته… و… وريحة الدخان… و… وصوت ماما…"
إيده مسكت يد أنس فجأة:
"متسبنيش… بالله عليك… كل ما أغمض عيني… بيرجع."
أنس قرب راسه لراس مهند:
"ولا ثانية.
ولا لحظة.
أنا مسكك… وعمري ما هفلت."
مهند اتنفس بقوة…
وبعدين ظهر عليه شيء غريب…
زي حد بيحاول يفتكر حاجة وبيخاف يفكرها.
"أنس…"
"أيوه؟"
"أنا… آسف."
أنس اتصدم: "آسف؟ على إيه تاني؟!
مهند ابتلع ريقه…
وحركة صغيرة من الرعب عدّت في عينه:
وكمل بعياط....
"ضربتك… فاكر؟ لما…
لما قلتلك أبعد…
لما كنت بزعّق…
أنا… أنا مكنتش قصدي…
أنا كنت خايف…
ومش عايز أي حد يقرب…
بس…"
دموعه نزلت أكتر،
وراسه ترتعش:
"متبعدش بجد… حتى لو قلتلك أبعد… حتى لو صحت ونسيت… متبعدش."
أنس حس الدنيا كلها بتكتم على صدره.
الوجع اللي في الجملة كان أكبر من إنه يتقال…
كان وجع حد بيدور على أمانه الوحيد.
حضنه…
حضنه بطريقة تثبّت الروح مكانها.
"مهند… اسمعني:
أنا مش بعيد.
ومش هبعد.
ولا كلمة قلتها… عمرها ما خوّفتني منك.
أنا شايفك… شايف حقيقتك… مش خوفك."
مهند دماغه وقعت على كتف أنس،
وساعتها بس…
طلع صوت بكاء صغير متقطع…
الصوت اللي بيطلع لما المخ يستسلم أخيرًا.
وبينما أنس ماسكه…
سمع صوت في الغابة.
خربشة.
مش قوية…
لكن قريبة.
عين أنس اتسّعت.
جسمه اتنشنج.
بص حواليه…
الشجر واقف…
الهوى واقف…
بس الصوت جه تاني.
خربشة… وبعدها تكة صغيرة…
زي حد ماشي… بيختبر الأرض برجله.
أنس حس جلده يقشعر.
ضمّ مهند عليه أكتر…
حركه ناحية الجنب في هدوء…
وبصوت أخف من التنفس همس:
"مهند… لو صحّيت دلوقتي… متخافش.
بس اسمعني… من غير ما تبص…"
مهند، حتى وهو في نص غيبوبة،
حس التغير…
حس الخوف في نفس أنس…
"أنس…؟ في إيه؟"
أنس بلع ريقه:
"حد… كان هنا.
أو… معدّي قريب."
قلب مهند وقع.
اتسند على أنس أكتر.
"هو…؟"
أنس ماجاوبش.
بس صمته كان أصدق إجابة.
الليل وسّع حواليهم…
والغابة فجأة بقت مش طبيعية…
كأن كل ورقة شجر بتسمع… وبتتنفّس.
أنس قال بهمس شديد:
"لازم نتحرك… دلوقتي.
قبل ما يقرب أكتر."
مسك مهند من تحت دراعه…
رفع جسمه اللي كان نصه نايم ونصه بيترعش…
ومع كل خطوة،
صوت الخربشة بيتكرر…
مش بعيد…
مش قريب…
بس موجود.
ومش ناوي يسيبهم.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━