الفصل مائة وخمسه عشر: المـــواجـــــــهه
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
..
الصوت....
الصوت اللي خرج من الضلمة
ماكانش صوت راجل بس…
كان صوت قدر.
أنس حسّه قبل ما يسمعه.
زي موجة هوى بارد خبطت ضهره ولفّت على صدره.
ومهند…
أول ما الكلمة طلعت،
جسمه اتجمد… واترعش… واتقفل عليه من جوه.
زي حد مسكه من رقبته… من غير ما يلمسه.
الراجل خرج من بين الشجر.
خطوة…
وكل غصن حواليه اتحرّك.
كأنه مش ماشي…
كأنه الغابة كلها بتبعدله الطريق.
أنس واقف، كتافه مشدودة…
إيده الشمال ماسك مهند لدرجة الألم،
وإيده اليمين فاضية… بس جاهزة.
الراجل وقف قدامهم.
مش بعيد… مش قريب…
بس في المسافة اللي تهدّ الروح.
كان طويل.
أطول من كل الرجال اللي شافها أنس.
ضلّه مغطي نص الأرض.
مفيش ملامح واضحة…
بس عينه؟
كانت اتنين شرارات باردة…
بتبص على مهند بس.
وكأن أنس… مش موجود.
ساعتها…
مهند حاول يتنفس.
محاولته دي بس طلعت صوت زي بكاء مكتوم.
الراجل اتقدم خطوة.
نفسه اتسمع،
وهو بيقول بصوت ميت…
صوت مافيهوش مشاعر:
متخافش...
"يومك… لسه مجاش يا مهند."
الكلمة دخلت في ودان مهند زي خنجر.
نزلت دمعة من غير ما يحس.
وبين لحظة والتانية…
اتبدلت نظرة الصدمة بنظرة رعب…
والرعب بنظرة انكسار.
أنس خد خطوة قدام.
جسمه سدّ الطريق،
يده فتحت نفسها على قدام كأنه بيقول:
"قرب… وشوف."
الراجل ما بصلوش.
ولا حتى التفت.
بس وقف…
وكلمة هادية خرجت:
"إبعد يا أنس."
الصوت ماكانش تهديد.
ماكانش صرخة.
كان حقيقة.
لكن أنس…
اتقدم خطوة كمان،
وعينه سابت الظلام…
وثبتت في عين الراجل لأول مرة.
"لو عايزه…
عدي من فوقي."
لحظة صمت…
تقيلة…
سوداء…
كأن الدنيا كلها بتتنفس معاهم.
الراجل ميل راسه…
لا بسخرية… ولا بدهشة.
ميلة راجل شايف قدامه طفل… بيحاول يوقف موجة.
وقال:
"أنا مش جاي أخده… لسه."
دا مش يومه..."
مهند رفع راسه بصعوبة…
وصوته طلع مكسور:
"لسه…؟"
ابتسامة صغيرة—
بسيطة…
بشرية…
بس مرعبة—
اتكونت على جنب شفايف الراجل.
"زي ما عملت مع أمك بالضبط"
الدنيا… وقفت.
مهند اتجمد.
صوت التنفس اختفى.
عينه اتفتحت للآخر…
جسمه وقع لقدام…
وكأنه اتسحب من جوّاه.
وأنس…
لف بسرعة…
مسك مهند قبل ما يوقع…
"بُصلي! بُصلي انت سامعني؟!"
مهند وشه اتفتح على صدمة…
مش صدمة…
تكسير.
اتكسر قدّامهم.
ابوه كمّل، بصوت ثابت:
"كانت ليها معاد. وانت… ليك معادك."
أنس رجع يبص عليه:
"وليه جاي دلوقتي؟"
الراجل وقف…
بصلهم…
وبصوت بارد:
"جيت اعرفه بس ان يومه قرب....
"وعشان تعرف… إني شايفك.
وشايفه.
وبتبِع خطواتكوا."
خد خطوة لورا.
وببطء شديد…
زي دخان بيرجع للضلمة…
اختفى.
مش جري.
مش مشى.
اختفى.
وساعتها بس…
الدنيا اشتغلت تاني.
مهند طلع نفس مقطوع…
وبعدين—
انهـــار.
وقع علي دراع أنس،
صدره بيطلع وينزل بسرعة…
دموع بتنزل من غير وعي…
"… هو… هو اللي… قتل… امي…"
....قتلها...
جملته اتكسرت.
زي قلبه.
أنس حط راس مهند علي كتفه…وايده الشمال عليه بيخفف عنه....
صوته كان واطي، باين فيه الرجفة اللي كان مكتمها:
"أنا معاك… لسه معاك… ومش هسيبك.
ولا هو… ولا غيره… هيقربلك وإنت واقف جنبي."
مهند صرخ صغيرة…
وجسمه اتكور…
وبكى زي طفل اتسحب منه الأمان تاني مرة.
وفضل يعيط بحرقه....
والغابة؟
من بعيد…
كأنها اتنهدت.
كأنها عارفة…
إن الليلة دي
ما كانتش آخر خوف.
كانت… البداية.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
..