الفصل مائة وسته عشر: مـــــــواجــــــهه

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

الغابة بعد ما ابوه اختفى…

ماكانتْش هدوء.

كانت شبه هدنة… هدنة متوترة، كأن الليل نفسه واقف فوق رؤوسهم يُراقب.

أنس واقف قدام مهند....

مش بيتحرك....

مش بيتنفس حتى…

خايف انه يرجع تاني....

مهند كان نايم…

لكن كان نوم مرعوب.

نَفَسه مش ثابت، صدره بيطلع وينزل بسرعة… ووشّه متشنّج كأنه لسه شايف كابوس ومش قادر يهرب منه.

أنس بصله…

وشه اتقلب، قلبه اتعصر.

"ماينفعش نفضل هنا…"

همسها لنفسه…

وللنور اللي مابيجيش.

لفّ على مهند… مسك كتافه، هزّه هزّة خفيفة:

"مهند… اسمعني… لازم نمشي. هنا مش أمان."

مهند فتح عينه نص فتحة…

مش شايف.

مش سامع.

بس مرعوب.

"أنس…؟"

الصوت خرج مرتعش… كأنه بيطلع من حد غرقان في ميّة.

أنس قرب وشه منه:

"أنا هنا… ركّز معايا. لازم نتحرك دلوقتي، نمشي بعيد… قبل ما—"

وفجأة.

جسم مهند تشنّج.

كأن كهربا صدمته.

إيده شدت في قميص أنس.

عينيه اتسعت.

ونَفَسه اتقطع.

"لا… لااا… هو لسه هنا… أنا سامعه… أنا—"

نفسه اتحول لهوا متقطع، سريع، مرعوب…

قريب جدًا من نوبة انهيار.

"مهند… مهند بُصلي!"

أنس مسك وشه من الجانبين.

"محدش هنا… احنا لوحدنا. اسمع صوتي بس!"

لكن مهند كان ضايع.

لسانه بيتلخبط.

دموعه نازلة.

وصدره بيتحرك بسرعة تخوّف.

"أنا… مش قادر… رجلي مش شايلاني… والدنيا… بتلف…"

وجسمه وقع لقدّام فجأة.

وقع على صدر أنس…

وقع بوزن حد خلص…

حد خسر آخر نقطة قوة.

أنس حضنه بسرعة، شدّه عليه جامد.

"استنى… استنى يا مهند… تنفّس معايا. اسمعني… واحد… اتنين…"

لكن مهند ماكانش قادر.

صوته اتكسر:

"أنا… عايز… أقوم… نمشي… مش عايزه يلاقيني… بس… جسمي… مش بتاعي!"

وهو بيقول الجملة دي…

قلب أنس اتقطع.

كان شايفه بيحارب نفسه…

بيحاول يقاوم…

لكن جسمه ضعيف… مخه تايه… واللي وراهم مش طبيعي.

أنس شدّه من ورا ووقفه بالعافية.

"يلا… هتمسك فيّ… ونمشي."

وبدأ يتحرك.

خطوة.

اتنين.

ومهند…

كل خطوة كانت عذاب.

رجله بتتلوّى…

نَفَسه مش موجود…

والارض تحته بتلف.....

وعينه بتقفل وتفتح في ثواني.

"استنى… أنس…"

قالها وهو بيقع تاني على كتف أنس.

"أنا… بدوخ… الأرض… بتجري…"

ووقع.

وقع سقوط كامل.

مش وقع غيبوبة… ولا ضعف…

سقوط حد جسمه استسلم.

أنس وقع على ركبته جنبه بسرعة.

"مهند! مهند، افتح عينيك…!"

مهند فتح عينه بالعافية.

عين واحدة بس.

والتانية نصها مقفول.

"ما… تسبنيش…"

وغمض.

ونَفَسه بقى متقطع…

كأنه بيحاول يفضل حيّ.

أنس وقتها… وقف.

وقلبه اتشق نصين.

بص فوق… على شجر الغابة اللي واقف زي سور…

وبص على الطريق المظلم الطويل…

ثم بص على مهند اللي مرمي جنبه… مهزوم… مرعوب.

وقال القرار اللي قلب الليل كله:

"لا. مش هروح بيك ولا خطوة. مش هتحرك من هنا… لحد ما أنت تهدى… لحد ما جسمك يستقر… حتى لو جي هو نفسه."

وقعد جمبه وقاله هنقعد كذا يوم لحد ما تقدر تقوم علي رجلك لوحدك.....فاهم!

المفروض يمشوا…

المفروض يهربوا…

المفروض يبعدوا.

لكن أنس…

أدرك إن الهروب دلوقتي هيقتل مهند أسرع من الراجل.

مسك وشه بإيده… مسح دموعه…

وحضنه حضن ثابت، دافي، يربط الروح في مكانها.

"هيي… اسمعني…"

همس وهو ماسكه من ضهره.

"إحنا مش هنمشي. هنقعد… لحد ما تهدى… لحد ما تبقى قادر تمشي برجلك… أنا مش هسحبك، ولا هستخدمك زي شنطة هروب. أنا معاك… هنا… دلوقتي."

مهند، وهو نص مغمى عليه…

طلع صوت ضعيف جدًا:

"أنس… أنا… اسف… تعبتك…"

والجملة اتكسرت… وبقت بكاء هادي…

دموع بتنزل وهو غايب…

دموع تلقائية… من قلب مش قادر يشيل اللي جواه.

وأنس شدّه أقرب ليه كأنه بيحميه من العالم:

"إنت متتأسفش. إنت تعبان… وأنا هنا عشانك. فاهم؟

مش هقوم… مش ههرب… مش هبعد…

لحد ما ترجعلي."

ووسط الهدوء المرعب…

جسم مهند كان بيرتعش…

يفيق ثواني… ويغيب دقايق…

ويصحى يبكي…

ويقع في دوامه الاغماء تاني....

وأنس…

ماسبش إيده لحظة.

ولا ثانية.

ولا نفس.

قعدوا في مكانهم…

والليل براقبهم من فوق.

والغابة حوالينهم ساكتة…

لكن جواهم؟

عاصفة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2025/12/16 · 2 مشاهدة · 586 كلمة
reven
نادي الروايات - 2026