الفصل مائة وخمسه وعشرون: هـــــــــروب٢٧.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
... ...
النهار عدى…
والليل جه....
والغابة فضلت ثابتة…
لكن أنس؟
ما كانش ثابت… ولا حتى واعي.
من أول لحظة رمى راسه على كتف مهند…
النوم خطفه.
مش نوم عادي…
نوم ثقيل… زي باب قديم اتقفل عليه من جوّه.
ساعتها، مهند كان صاحي …
وشه تعبان…
بس قلبه كان فاضي من الخوف لأول مرة.
شاف أنس نايم…
نفسه هادي…
عينيه مقفولة بقوة، كأنه خايف يفتحهما.
«نام… نام يا أنس…»
قالها لنفسه… مش لأنس.
كان بيقولها كأنه بيطمن طفل جواه.
---
وعدّت الليله كامله....
والشمس بقت فوق…
الوقت بقى ما لهوش معنى.
وأنس؟
ولا رمشة.
ولا حركة صغيرة.
جسمه تقيل…
كتفه واقع…
ونَفَسه غرقان في السكون.
مهند بدأ يتوتر.
مش من الخوف…
من إن أنس نايم زيادة.
«أنس…؟»
صوته هادي…
لمس إيد أنس.
الإيد باردة شوية من السكون، بس لسه ماسكة تيشيرته.
«أنس، صحي؟»
مفيش.
الغابة كانت ساكتة…
شايلة همّ هما الاتنين.
---
الليل جه.
ومهند ماقادرش ينام أصلاً…
مش من الألم…
من خوف من نوع مختلف:
خوف على أنس.
لانه عدي يوم وليله كاملين وهو ولا حركه...
كان بيبص على ملامحه…
التي تحتها تعب ٤ أو ٥ أيام من السهر.
كلها موجودة…
وكلها وقعت في نوم واحد.
---
الصبح…
بعد يومين كاملين…
أنس اتحرك.
مش حركة هادية.
مش حركة فايق.
لا.
اتحرك وكأنه بيطلع من بئر مظلم.
شهق.
شهقته كانت عالية…
وراسه اتسحبت لفوق بسرعة…
وعينه فتحت وهي مرعوبة.
«لا…!!»
صرخة صغيرة خرجت منه وهو لسه مش فاهم إيه اللي بيحصل.
مهند اتخض:
«أنس! أنس! على مهلك… إنت كنت نايم!»
أنس مسك رأسه…
إيده ترجف…
وصوته مكسور ومتعصب على نفسه:
«ليه…؟ ليه سيبت نفسي؟
أنا… أنا نمت كتير؟!
ليه نمت؟!»
مهند قرب عليه:
«أنس… إنت كنت بتموت من السهر…»
أنس قطع كلامه:
«لاااا!! ماكانش ينفع!
لو جه… لو قرب… لو كان خدك ساعتها!...
إزاي… إزاي سبّت نفسي كده؟!»
كان بيتكلم وهو بيكتم دمعة…
بس الإيد اللي بيمسح بيها على وشه بتترجف واضح.
حاول يقف…
رجله قلّت منه…
وقع على ركبته.
«غبي… غبي يا أنس…»
كان بيقولها لنفسه وبيخبط بخفة على راسه بإيده.
مهند راح عليه بسرعة:
«بطل— بطل تعمل كده!
إنت كنت محتاج النوم…»
«لا…!
أنا كنت لازم أصحى!
أنا… سيبتك لوحدك…!!»
الكلمة الأخيرة خرجت منه زي السهم.
وهو بيقولها…
دماغه رجّعت كل مشاهد الخوف اللي كان شايلها جوّاه.
كل اللي كان بيهرب منه وهو صاحي…
رجعله وهو نايم.
إيده غرزت في التراب…
وصوته اتكسر:
«أنا وعدت إني ماسيبكش…
وغمضت عيني..!
أنا… خفت وأنا نايم…
فاهم؟!
حتى وأنا نايم كنت بخاف!!»
مهند قرب عليه…
حط إيده على ضهره…
مش سند…
طمأنة.
«أنس…
النوم مش خيانة…
النوم رحمة…
وربنا أخدك من الحرب شوية.»
أنس بصله…
عينيه حمرا…
ووشه كله غضب على نفسه.
«بس أنا……
عايز أصحى…
عايز أكون صاحي…
عايز أكون جمبك كل ثانية!»
الصوت ده…
كان أول انهيار حقيقي.
مفيهوش خوف من اللي برا…
فيه خوف من نفسه.
مهند شدّه…
حط إيده على راس أنس، ضغط عليها بخفة:
«اسمعني…
لو هتقع—
هتقع جمبي...
مش بعيد عني.»
أنس كان بيترعش…
مش برد…
مش خوف…
انهيار كامل لجسمه بعد السهر.
وسكت…
سكت فجأة…
بس السكون ده كان مليان دموع متحبسة.
مهند بص للغابة…
وقال بصوت واطي، كأنه بيكلمها:
«دوره جه…يرتاح
زي ما كان دوري قبل كده.»
وماسابش أنس لحظة.
ولا ثانية.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━