الفصل مائة وثمانيه وعشرون:
هــــــــــــروب٣٠
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
.. ..
الهوا بقى أدفى شوية…
او...
يمكن من الهدوء اللي بدأ يرجع لجسم أنس بعد ما قعد…
وبدأ يحس برجليه من غير ما عقله يصرخ.
مهند كان قاعد جنبه…
مفيش حد فيهم اتكلم في الأول…
بس الصمت ماكانش تقيل زي قبل.
كان صمت استعادة… مش صمت انهيار.
أنس مد إيده ناحيت الأرض…
مرّة تانية…
ولما لمس التراب، حسّه كأنه واقع في مكان آمن لأول مرة من بدري.
«أنس…؟»
مهند قالها وهو بيبصله من فوق لتحت كأنه بيقيس حالته.
أنس رد من غير ما يرفع عينه: «حاسس إني موجود… شويّة.»
الجملة دي بسيطة…
بس بالنسبة للي حصل؟
كانت خطوة قد متر.
مهند قرب أكتر: «عايز تجرب تقوم؟ ولا لسه؟»
أنس اتردد…
صمت…
وبعدين قال:
«هقوم… بس مش بعيد.
هقوم… وابقى جنبك.»
مهند ابتسم ابتسامة صغيرة…
النوع اللي فيه “ما تقلقش” من غير ما تتقال.
«ماشي… نقوم سوا.»
مهند وقف الأول…
مش لأنه أقوى…
لكن لأنه كان محتاج يدي أنس إحساس إن في حد جاهز يشيله لو وقع.
مد إيده لأنس…
بس المرّة دي… أنس ماخدهاش بسرعة.
بص لها…
ثواني.
كأنه بيطلب إذن من نفسه إنه يثق.
وبعدين…
مسكها.
إيده كانت بتترعش،
بس كانت بتتشبث.
مهند شدّه براحة…
وأنس وقف.
رجل واحدة الأول…
وبعدين التانية.
رجليه اتزلزلت.
جسمه مال سنة.
عقله بيصرخ...
بس إيد مهند كانت هناك.
ماسكة. ثابتة. مش بتتهز.
«أنا ماسكك… براحة.»
صوت مهند كان ثابت…
ثبات يخلي أي عاصفة تهدى.
أنس أخد نفس طويل…
ولأول مرة من وقت كبير، نفسه دخل للآخر…
وخرج للآخر.
«تمام… واقف.»
مهند رفع حواجبه بفخر بسيط: «شايف؟ جسمك رجّع خطوة.»
أنس هز راسه،
وانت كمان...بقيت احسن
وهنا…
الغابة اتغير صوتها.
كان فيه خربشة بسيطة…
زي أوراق بتتهز بعيد.
أنس اتشنج فورًا.
مهند لمس كتفه بسرعة: «بص لي. مش للصوت.»
أنس حاول…
بص لدقيقة…
لكن عقله راح للصوت تاني.
«مهند… هو…؟»
«لا. مش هو. اسمع كويس… ده صوت خفيف، مش حد بيتقرب.»
أنس اخد نفس تاني…
من النوع اللي بيدخل غصب.
«مش قادر أثق في دماغي.»
مهند قرب منه: «ولا أنا باتّكل على دماغك دلوقتي. إحنا هنمشي على اللي جسمك يقوله. لو قال نتحرك… نتحرك. لو قال نقف… نقف.»
أنس عض شفته…
وبعدين قال بصوت واطي جدًا:
«عايز أتحرك… عشان خايف أفضل واقف.»
مهند هز راسه:
«تمام… نمشي خطوة خطوة.»
مسك إيده من الجنب…
مش مسكة مساعدة…
مسكة وجود.
وبدأوا يتحركوا…
أول خطوة كانت تقيلة.
رجليه اعتراضوا.
جسمه مهزوز.
بس ما وقعش.
مهند كان جنبه…
نصف خطوة متقدمة…
كأنه مرشد مش سند.
«كويس… كمان واحدة.»
أنس بص لتحت…
ركز على رجله.
واتقدم خطوة تانية.
وأثناء الخطوات البطيئة دي…
عقله بدأ يفوق أكتر.
مش فواق كامل…
بس وعي إن “أنا لسه موجود”.
بعد كام خطوة…
والاتنين ماشيين...
أنس بص لمهند…
وعينه فيها اعتراف لأول مرة:
«لو مش معاك… كنت وقعت من بدري.»
مهند رد بسرعة، من غير مجاملة: «ومن غيرك… أنا ماكنتش هكمّل أصلاً.»
اللحظة دي…
كانت أول مرة الاتنين يعترفوا إن اعتمادهم مش عيب…
إنه واقع.
مشيوا شويتين كمان،
وبدأ النور يقل،
والغابة تبقى أغمق.
أنس بص حواليه: «هنوقف؟»
مهند قال: «هنقف… هنا. نرتاح ساعة… وبعدين نكمل. المسافة مش طويلة… بس جسمك محتاج ترتيب.»
أنس قعد…
نفسه بقى أهدى.
خوفه مش اختفى…
بس تقلّص.
وحاجة جديدة ظهرت مكانه:
ترقّب.
عارف إن في حاجة جاية.
حاسس بيها.
مش فاهمها…
بس مش مرعوب منها زي الأول.
والغابة؟
الغابة ماكانتش ساكتة المرة دي…
كان فيها صوت…
صوت حد بيتحرك بعيد…
هادئ…
مش تهديد.
كأن في شخص…
بيراقبهم.
مش عدو…
لكن…
مش مفهوم.
والليل؟
ابتدى ينزل…
واللي جاي؟
مش هيكون زي اللي فات.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━