الفصل مائة وتسعه وعشرون:

هـــــــــروب٣١

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

..

الليل نزل ببطء…

مش زي ستارة بتتقفل فجأة،

زي غطا خفيف بيتهبط على الدنيا…

لحد ما الألوان تبقى أغمق،

والدنيا تبقى شبه حلم،

بس حلم صاحي.

أنس كان قاعد على الأرض، ضهره سند على جذع شجرة كبيرة.

جسمه بقى أدفى شويّة…

ولا يمكن عشان مهند كان قاعد جنبه قريب،

لدرجة إن النفسين بتوعهم كانوا ماشيين بنفس الإيقاع…

واحد داخل… واحد خارج.

مهند بصله من بعيد لبعيد—

مش عشان يسيبه،

بس عشان يسيبه يسترجع نفسه من غير ضغط.

«إنت أحسن؟»

سألها بصوت هادي…

الصوت اللي بقي معروف إنه “ما بيخضّش”.

أنس مسك نفس طويل،

وبعدين قال:

«أحسن… بس مش ثابت.»

مهند:

«الثبات مش بييجي مرة واحدة. بييجي على شكل نبض… يقرب ويبعد.»

أنس ضحك ضحكة صغيرة…

ضحكة من نوع “انت اللي كنت منهار..بس فجاه اتبدل الحال..

وبعدين سكت.

سكت طويل.

من النوع اللي بيشاور إن في حاجة جوا دماغه بتتكوّن.

مهند قرب سنتي:

«في إيه؟»

أنس رفع عينه…

البصة كانت غريبة.

مش خوف…

ومش يقين…

حاجة بين الاتنين.

«أنا… في حاجه صور بتيجي في دماغي...مش عارف....»

الكلمة دي خلت الهوا يبرد تاني.

مش خوف،

بس توتر هادي…

زي صوت وتر يتشد قبل ما يعزف.

مهند اتعدل في جلسته شوية،

قلبه اتشد—

مش عشان هو خايف،

عشان عارف إن اللحظة دي خطّ رفيع جدًا بين “أنس بيرجع” و”أنس بيقع”.

«قول… شويّة بشويّة.»

أنس قفل عينه،

وإيده مسكت التراب كأنه بيحاول يثبت اللحظة.

«صوره… عينين.»

الكلمة خرجت ببُطء.

مهند قرب أكتر: «عينين مين؟»

أنس فتّح عينه فجأة:

«مش متأكد… بس كانوا بيبصولي… قبل ما—»

سكت.

نَفَسه اتقطع لحظة.

رجع تاني.

«مش نظرة حد بيكرَه…

ولا حد خايف…

نظرة حد… عارفني.»

الكلمة دي عملت شرخ صغير في الجوّ.

مهند حسّه:

«يعني مش غريب؟»

أنس هز راسه ببطء…

بطيييء…

كأنه مش عايز يعترف:

«مش غريب… لأ.»

هنا…

الغابة عملت الصوت.

الصوت اللي هو مش هوا…

ومش ورق…

ومش حيوان.

خطوة.

خطوة واحدة بس.

مش قريبة…

بس مش بعيدة.

أنس اتشنج…

جسمه كله اتسحب زي خيط.

«سمعت؟»

سأل بصوت منخفض قوي، كأن الصوت نفسه ممكن يسمعه.

مهند مد إيده على جنب أنس…

مش بيحضنه،

بس ماسك حدود خوفه.

«سمعت. بس ما تتحركش.»

الصوت اتكرر.

هدوء…

وبعدين خربشة.

أنس همس:

«مش نفس النوع… مش نفس الخطوات اللي كانت بتجري ورانا… ده هادي.»

مهند ضم شفايفه:

«أيوه… حد ماشي… مش حد بيطارد.»

وبعدين—

لقطة.

ظِلّ.

خفيف.

بعيد.

بس موجود.

مهند شافه قبل أنس.

ثانية واحدة بس.

ظِلّ واقف بين الشجر…

مش بيجري…

مش بيستخبى…

واقف…

بيبص.

أنس حس بالحركة حتى لو ما شافهاش:

«في… في حد؟»

مهند ضغط على كتفه:

«في… بس هادي.»

أنس اتكهرب بالكامل:

«عدو؟»

مهند هز راسه ببطء:

«لو كان عدو… كان قرب.

ده واقف… كأنه مستني.»

أنس: «مستني مين؟»

مهند:

«إحنا… غالبًا.»

الهوى اتحرّك.

زي نسمة عدّت بين الاتنين.

وأخدت معاها إحساس غريب…

إحساس إن الشخص ده

مش جاي يؤذيهم،

بس جاي يقول حاجة.

أنس قرب من مهند كأنه بيتخبى من “المجهول” مش من “الخطر”:

«مهند… أنا مش جاهز… لأي مفاجأة.»

«ولا أنا.»

رد مهند بهدوء.

وبعدها لمس إيد أنس لمسة صغيرة…

بس كانت اللمسة اللي بترجع الدم للعقل.

«بس اللي هناك… مبقاش بعيد.

ده… جاي لنا.»

لحظة صمت…

محمّلة زيادة عن اللزوم.

وبعدين—

الشخص الغامض اتحرك خطوة لقدّام.

خطوة واحدة…

واضحة…

قصْد.

أنس شهق براحة صوته:

«جاي؟»

مهند:

«أيوه… جاي.»

الغابة سكتت.

الليل ركّز.

والخطوة اللي جاية كانت بداية حاجة جديدة…

مش مطاردة…

مش انهيار…

مش خوف.

كانت بداية مواجهة.

أو بداية كشف.

أو بداية حد… هيشرح حاجة كانوا محتاجين يعرفوها.

والاتنين واقفين—

واحد بيسترجع نفسه…

والتاني ماسك وعيه مكانه—

مستنيين…

اللحظة اللي الشخص ده…

يوصل.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2025/12/18 · 4 مشاهدة · 571 كلمة
reven
نادي الروايات - 2026