الفصل مائة وثلاثون:
هـــــــــــروب٣٢
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الخطوة اللي اتسمعت من بعيد
بقت خطوتين.
وبعدين تلاتة.
وبعدين…
سكون غريب.
سكون شخص واقف وبيفكّر "يدخل؟ ولا يستنى؟"
أنس حسّ إن قلبه طلع خطوة لقدّام من كتر التوتر.
مش خوف…
ده الوعي الجديد اللي اتحرك جواه.
الوعي اللي بيقول:
“أنا مش من غير عقل… أنا فاكر حاجة.”
مهند كان واقف جنبه
مش قدّامه، ولا وراه…
جانبه.
نفس المكان اللي وقف فيه طول الليلة الطويلة اللي فاتت.
«جاهز؟»
مهند سأل بصوت هادي جدًا.
أنس ما كانش جاهز.
بس قال:
«قريب… من الجاهز.»
لحظة…
وبعدين الظلّ اتحرك.
وظهر.
شخص…
طويل شوية…
لابس حاجة سودة شبه جاكيت خفيف، ووشّه مش باين قوي بسبب الظُلمة،
لكن ملامحه واضحة كفاية إنها تشيل كلمة:
مش جاي يأذي.
بس جاي يكمّل مشهد ناقص.
او جاي ينقذهم من حاجه....
وقف على بعد حوالي خمس أو ست خطوات.
ما قربش.
ما مدّش إيد.
ما اتكلمش.
مهند رفع دقنه سنة:
«إنت مين؟»
الشخص قال بصوت هادي… صوت مش غريب… ولا مألوف…
الصوت اللي يخليك تحس إنك سمعته مرة في قاعة كبيرة، أو في ساحة، أو في موقف ما بين الضباب والذكريات:
«أنا… مش جاي أضركم.
ولو كنت عايز… كنت عملت كده من زمان.»
أنس اتوتر أكتر،
مسك طرف هدومه من تحت من غير ما يقصد.
صوته خرج منخفض:
«كنت فين؟»
الشخص بصله…
بصة طويلة…
مش بصة حد بيقيس…
بصة حد بيشوف “هل العقل رجع؟ ولا لأ؟”
«كنت… قريب.»
سكت ثانية…
«وبتابع.»
مهند اتقدم نص خطوة، بس فضل بينه وبين أنس مسافة ثابتة:
«ليه بتتابع؟ وإحنا أصلاً إيه علاقتنا بيك؟»
الشخص اتنهد…
زي واحد داخل على حوار مش سهل:
«علاقتي …
إنك الوحيد اللي شفته.
الوحيد اللي كنت موجودوقت اللي حصل.»
أنس حسّ بقلعة جواه بتتهز.
الكلمة ضربت ذاكرته زي شرارة:
“شفته…؟”
مين شاف إيه؟
قرب خطوة صغيرة غصب عنه:
«إحنا… شفنا إيه؟»
الشخص بصله بتركيز… كأنه بيشيل ستارة من قدام دماغه:
«إنت…
كنت آخر واحد يشوفه...
أنس اتسمر.
مهند وقف بسرعة قدّامه، صوته اتشد لكنه ثابت:
..إيه اللي أنس شافه؟»
الشخص مسك طرف الجاكيت بإيده…
مش توتر…
لكن زيه زي واحد بيحاول يختار الكلمات اللي مش هتفتح على جروح.
«في حد…
… كان عايز أنس ما يشوفش حاجه.»
أنس اتسعّت عينه:
أنا شفت مين؟»
الشخص:
«شفت… اللي كان المفروض محدش يشوفه.
واللي حاول يخلص عليك…
لو ناسي...هو هيجي يفكرك دلوقتي...
مهند:
«بس هو… ما فقدش الذاكرة!»
الشخص رفع حاجبه:
«هو فاقد… بس مش كتير.
فاقد اللحظة.
فاقد الوشّ.
فاقد أول ٣ ثواني…
اللي شاف فيها اللي مش لازم يشوفه.»
أنس حط إيده على راسه…
مش وجع…
إدراك:
«أنا…
مش فاكر الوش…
بس فاكر العينين…»
الشخص هز راسه ببطء:
«وده كفاية.
العينين هم اللي هيسقطوه… لو افتكرتهم صح.»
مهند خد خطوة لقدّام:
«إنت جاي تساعد؟ ولا تهدّد؟»
الشخص:
«لو كنت جاي أهدّد… كنت ظهرِت من زمان.
أنا جاي عشان… الحقكم منهم...
جاي اعرفكم انهم جايين...
مش لازم تفضلو هنا كتير....
ومش هتلحقوا تفهموا اللي بيحصل… إلا لما ترجع للذاكرة اللي اتاخدت.»
أنس قرب خطوة ورا مهند…
مش خوف…
لكن حس إن جسمه بيتبرّد فجأة:
«مين اللي عاوز يقتلني؟»
الشخص اتطلع حواليه…
كأنه بيتأكد إن الغابة لسه سامعة بس مش متدخّلة.
وبعدين قال جملة كسرت الجو كله:
«اللي عاوز يقتلك…
هو الشخص…
انت تعرفه....بس بيشتغل عند عصابه كبيره....
بعتوه يعمل حاجه...وانت شفتها...
فجايلك.... دلوقتي يخلص عليك...
الهوى وقف.
النفس اختفى.
الغابة نفسها اتجمّدت.
مهند اتسعّت عنيه:
«إحنا نعرفه؟»
الشخص:
«أيوه…
أكتر مما تتخيلوا.»
أنس حس صرخة داخله…
مش رعب…
لا…
ده أول خيط من الحقيقة بيشدّ.
الشخص قرب خطوة واحدة…
وقال بصوت منخفض:
«وأنا هنا…
عشان الليلة دي…
هي آخر ليلة تقدروا تهربوا فيها...
وانا معاكو....
بس اللي بيدور عليك…
قرب يوصل....
أنس اتجمد.
ومهند مد إيده ووقف جمبه…
والغابة؟
الغابة رجعت تتنفس.
كأنها بتقول:
"ابتدى فصل جديد… أكبر منكم."
━━━━━━━━━━━━━━━━━━