الفصل مائة واربعون:
لــــــيله المـــــواجهه٦
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
.. ...
الهوا اتقطع…
مش بسبب الضرب اللي وراهم…
ولا بسبب صريخ الحديد وهو بيخبط في العضم…
لكن بسبب أنس.
أنس…
لما بعد خطوتين من الجري…
وقّف.
مش برجليه.
بعقله.
رجله اتعلّقت في الأرض…
كأن التراب مسكها بإيدين.
مـهـنـد: «أنس! اتحرك! اتحرك بسرعة!!!»
لكن أنس…
كان سامع حاجة تانية.
نفس “الطــق” الي جاي من الاسلحه…
الصوت اللي رجّعه لورا…
الصوت اللي قتل الولد ....
صوره الولد وهو سايح في دمه.....
عينه اتسعت.
نفسه انقطع.
ودماغه لفّت.
«أنا… هيموتوني…
هيقتلوني…
زيّه…
زيّه… أنا شفته… وهو… وقع…
وقع…»
وصوته اتحشر، واتقطّع، وبقى يلهث كأنه بيغرق.
—
مهند مسكه من دراعه جامد: «يا أنس فوق! فوق!!!»
بس انس كان لسه عند نقطه موت الولد…
شدّ إيده من مهند ووقع على ركبته.
وقع فعلاً.
وقع كأن حد ضربه من ضهره.
إيده مسكت الأرض.
ضوافره غرست في التراب.
وراسه نزلت لتحت…
والهوا بقى بيتقطع من صدره زي واحد بيتخنق.
«مش قادر…
مش قادر…
الولد…
الولد… وشّه…
كان باصص… عليّا…»
وصوته اتكسر على آخر كلمة.
—
في نفس اللحظة…
من وراهم الغابة اتولعت بالضرب.
صوت أدوات.
صوت هجوم.
صوت الغريب وهو بيقاتل…
مش عشان يكسب.
عشان يكسب وقت.
صوت تكسير.
صوت ارتطام.
صوت صرخة مكتومة من حدّ كبير.
ومع كل صوت…
أنس كان بينزل أعمق جوّه.
كأنه بيموت بالعقل… قبل الجسم.
—
مهند اتجنن.
«يا أنس قوم!!!
لو وقفت ثانية… ثانية واحدة…
هيلاقونا!»
لكن أنس لسه تحت.
لسه راكبته في التراب.
لسه عينه بتدمّع من غير ما يحس.
مش بكاء…
ده انهيار.
جسمه بيترعش.
رجليه مش شايله.
والعالم بيقرب حواليه لحد ما بقى بقعة سودة.
قالها بصوت بيضيع:
«مهند…
أنا… هموت…»
مهند ضربه على وشّه مره واحده...
مش عشان يوجعه.
عشان يرجّعه.
«بُــص لــي!
بصيلي يا أنس!!!
الولد مات… أيوه!
بس أنت… مش هتكون التاني!
فُـــوق!!!»
بس أنس زوّد الانهيار…
«أنا السبب…
لو ما اتكلمش…
لو ما قربش…
ما كانش مات…
ما كانش…»
وابتدى ينهج نهجة عالية…
نهجة بتوجّع.....
—
صوت حدّ بيقرب من الشجر.
خطوات تقيلة.
صوت ورق شجر بيتفرم تحت الجزمة.
مهند سمعها.
وشه اتسحب من الرعب.
بَصّ لأنس… وبعدين ورا.
الاتنين كانوا جايين.
واحد منهم دمّه سايل من دراعه…
بس لسه ماشي…
لسه قِدر.
«أنــــــس!!!»
—
مهند فقد صبره.
مسك أنس من ضهره…
ورماه على كتفه.
فعليًا.
شاله.
كأن وزنه اختفى وقت الخطر.
أنس خبط صدره ونطق بصوت مكسور:
«سيبني… سيبني…
مش قادر…..
مهند وهو بيجري بين الشجر:
«مش هسيبك حتى لو قطّعوا رجليّ!
اسكت!
اتنفّس!
بس اتنفّس يا أنس!
ركز معايا!»
—
الغابة بقت وحش مفتوح بيفتح بقه…
ظلمة…
عروق شجر…
صوت ناس بتجري…
صوت ضرب بعيد…
صوت الغريب وهو بيشدّ وقت…
وبيخسر دم…
وبيكسب ثواني تانية ليهم.
مهند فضل يجري…
وأنس فوق كتفه جسمه واقع…
عقله متجمّد…
صدره بيطلع صوت مخنوق…
كل شهيق… خنقه.
كل زفير… دمّعه.
—
لحد ما…
مهند وقف فجأة.
وقف مش بإرادته.
وقف لأنه… اتصدم.
قدّامه صخرة كبيرة قافلة الطريق.
يمين ظلمة…
شمال أكتر ظلمة.
والخطوات…
الخطوات وراهم قربت.
—
مهند نزل أنس على الأرض وهرش في شعره بضغط: «قوم… بالله عليك قوم…
صدقني… مش هخليك تموت…
بس أنا… لوحدي… مش هعرف أعمل حاجه لوحدي" ....
أنس كان ممسك هدوم مهند من قدّام…
وكأنه بيستغيث بصمت.
«مهند…
همّا… ورا…
هيقتلوني…
زيه…
أنا… أنا سمعت…»
مهند مسك وشّه…
«بُــصلي…
أنا هنا.
أنا معاك.
مش هسيبك.
اسمع صوتي…
أنا… مش… هسيبك!»
—
وصوت وراهم جه:
خطوة.
خطوتين.
حدّ بيقرب…
بيشم…
بيصطاد.
مهند بلع ريقه:
«بالله عليك يا أنس… قوم…
ده مش وقت الانهيار…
ده وقت الهروب…
وقت الحياة…
قوم!»
أنس رمش…
ببطء…
بس رمش.
صدره بدأ يتحرك حركة واحدة…
عميقة…
وحشة…
لكن حقيقية.
دي… بداية الرجوع.
دي… بداية النجاة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
..