142 - ليله المواجهه٨

الفصل مائة واثنين واربعون:

ليله المواجهه٨

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

...

الأرض كانت بتتزحلق تحت رجليّ أنس ومهند…

مش مجرد جري…

ده كان هروب من موت…

هروب من صوت…

هروب من نَفَس حدّ وراهم مش ناوي يسيبهم يعيشوا دقيقة زيادة.

أنس كان بيجري… جسمه لسه متوجّع…

وشّه لسه دافئ من بوكس مهند…

بس عقله؟

عقله كان صاحي بطريقة مؤلمة…

كأنه اتقلب من جوّه.

كان سامع كل حاجة…

صوت الورق اللي بيتقطع تحت رجلينهم…

صوت الحجر اللي بيزحلقهم…

صوت نفس مهند…

ونفسه هو…

والخطوات…

الخطوات اللي عمرها ما كانت بعيدة.

مهند قال وهو بيجري:

«بُص قُدّام… بس قدّام… ما تبصّش وراك!»

لكن أنس…

كان كل شوية يبص… غصب عنه.

عينه بتتعلق بالظلمة اللي وراهم…

الظلمة اللي جوّاها عيون.

عيون الاتنين اللي نازلين وراهم من المنحدر…

عيون بتدور على فريسة…

مش ناس.

الغابة كانت بتديق أكتر كل ما يدخلوا جواها…

فروع الشجر طالعة زي إيدين…

بتشد هدومهم…

تشد شعرهم…

تضربهم في وشّهم…

كأنها بتقول لهم:

"واقفوا… هتقعوا… خلّصوا هنا."

مهند كان بيسحب أنس من دراعه:

«سَرّع… بسرعة يا أنس… بسرعة…!»

أنس:

«أنا… أنا مش قادر… صدري… صدري…»

مهند، بنَفَس مقطع:

«قدرت تنطّ…

وقدرت تقوم…

هتقدر تجري…

عارف هتقدر!»

صوت ورق شجر اتقطع جامد وراهم.

صوت حدّ نِطّ نطة كبيرة…

حدّ قريب قوي…

قوي.

مهند بص بنص عين…

وشه اتغيّر:

«اجـــرييي!

بسرعة!!!»

والاتنين رموا نفسهم قدّام…

جري مش طبيعي…

جري غريزي…

جري اللي بيعتمد على خوفك أكتر من رجلك.

أنس فجأة اتكعبل.

رجليه خبطت في جذور طالعة من الأرض…

وقع على جنبه…

وقع جامد…

نَفَسه اتقطع.

«آااه!… مهند…!»

مهند رجع في نص خطوة، مسكه من دراعه:

«قوم! قوم بسرعة قبل ما يوصل—»

وصوت حاجة اتغرزت في الشجرة فوق رأس أنس بـ٢ سنتي.

حاجة معدن…

حاجة اتحدفت بقوة…

وتثبتت في جذع الشجرة.

مهند اتجمد لحظة.

أنس اتجمد أكتر.

لو وقعته كانت بعد ثانية؟

كان مات.

أنس بص للشجرة…

وبعدين بص لمهند…

وعينه اتسعت:

«مهند…

همّا… بيجرّبوا الأول.»

مهند هزّه:

«يبقى نمشي قبل ما يجرّبوا تاني!»

وقام يشدّه ويجري…

يجري وهو شايل نص وزن أنس…

والاتنين بيلفّوا يمين…

شمال…

بين شجر…

بين صخور…

كأن الغابة ماشية وراهم…

مش هما اللي ماشيين جواها.

الصوت زاد.

قرب.

بقى صوتين…

صوت خطوات…

صوت نفس…

وصوت حاجة بتسحب نفسها على الأرض…

التاني المصاب كان نازل بالعافية…

بس نازل.

أنس قال وهو بيجري:

«مش… مش هنلحق يا مهند…

مش هنلحق…»

مهند زعق:

«هتسكت وتتنفّس وتجري…

أو هتقف وتستناهم يخلّصوا علينا…

اختار!»

أنس شد نَفَسه…

شد روحه كاملة…

وبدأ يجري أسرع…

أسرع من الألم…

أسرع من الخوف…

أسرع من صوته اللي جواه.

بعد شوية جري…

وصلوا لمنطقة أوسع شوية…

بس كانت مليانة صخور متكسّرة.

من بعيد…

كان في صوت ميّة خفيف…

مش نهر…

لكن مجرى ضيق…

منحدر في الأرض.

مهند قال:

«نعدّي المجرى دا…

هيخلي ريحتنا تتلخبط عليهم!»

أنس بص له:

«إحنا… مش كلاب!»

مهند، وهو بيجري:

«هما؟

كلاب.»

وصلوا للمجرى.

المية كانت بردة…

والأرض زلقة.

نزلوا…

الطين مسك رجليهم....

المية غطت لحد الكعب…

وبعدين لحد الركبة.

أنس اتزحلق وهو بيعدّي…

وقع نص وقعة…

مهند مسكه قبل ما يخبط دماغه في حجر.

«قوم يا أنس!

قوم!»

أنس لاهث:

«مش… شايف…

الدنيا ضلمة…»

مهند قربه لشجره كبيرة بعد ما عدا المية:

«اقف… خد هوا…

خد نفس…

بس اسمع…»

الدنيا هديت ثانية.

مجرد ثانية.

مهند قال وراسه لسه بترتعش من الخطر:

«أنا سامعهم…

لسه فوق…

لسه بيدوروا…

لسه ما نزلُوش المجرى.»

أنس حاول يتكلم:

«يعني… ممكن… نكون…»

مهند مسك كتفه:

«لسه…

لسه بدري قوي على كلمة “أمان”.»

وفجــــــأة:

صوت طرطشة مية.

حد نزل المجرى.

حد من وراهم.

حد قريب.

مهند سمع…

اتجمد.

أنس حسّ…

اتجمد أكتر.

مهند قال بصوت واطي قوي:

«أنس…

إحنا لسه ما نجوناش…

إحنا لسه في نص الجحيم.»

وبدأ يشد أنس تاني…

يجري بيه…

أعمق…

أعمق داخل الغابة…

والليل…

والبرد…

والأصوات.

..

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2025/12/26 · 2 مشاهدة · 600 كلمة
reven
نادي الروايات - 2026