الفصل مائة وثلاثه واربعون:
ليله المواجهه٩
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
..
المية بردة…
بردة لدرجة إن عضلات أنس قفلت ثواني من الصدمة…
لكن الخوف؟
الخوف كان أسخن من أي برد.
كان بيشوّي جواه…
يشوّي رجله…
يشوّي نَفَسه…
يشوّي آخر حِتّة ثابتة في دماغه.
المجرى وراهم بقى صدى…
صوت ارتطام مية…
صوت حدّ بيجرّ رجليه…
وصوت حدّ تاني بينفُض تعب الإصابة…
وبيكمل.
لسه بيكمل.
—
مهند شد أنس من دراعه وقال بصوت مخنوق من الجري:
«ما توقفش… لو وقفت دلوقتي هيمسكونا…
وربنا… ما هيلحقونا بعدها.»
أنس حاول يرد…
بس صوته خرج مهزوز:
«مهند… رجلي… مش قادر وربنا…»
مهند بص له نظرة فيها جنون:
«إحنا مش بنجري برجولنا…
إحنا بنجري بحياتنا!»
—
خرجوا من المية ودخلوا أرض طرية…
أرض بتغوص تحت رجلهم…
تسحّبهم لتحت…
زي بطن الغابة فتح وبياكلهم.
صوت “تشّق”
صوت رجل في الطين…
قرب.
قرب قوي.
مهند وقف لحظة…
لأول مرة من بداية الهروب…
وقف.
أنس كان هينهار:
«ليه وقفت؟!»
مهند مد إيده قدّامه…
طلب منه يسكت.
وشّه اتشد…
ودانه كلها كانت صوت.
من وراهم…
كان في صوتين…
مرضوضين…
لكن واضحين.
واحد قال بصوت خشن، متقطع:
«نزلوا هنا… ريحتهم… موجودة.»
التاني:
«لو هربوا…
مش هيبعدوا.»
الكلمات دخلت في صدر أنس زي حدّة سكينة.
—
مهند مسك أنس من ضهره…
وزقّه بين شجر متشابك:
«ندخل جوّه…
جوّه أكتر…
لحد ما نتوه جوّه نفس المكان.»
أنس بص حواليه…
الغابة دي مش بتتوه…
دي بتبلع.
«مهند… هنضيع.»
مهند رد من غير ما يبص:
«أهو المطلوب.»
—
دخلوا بين شجر الدنيا…
شجر ضخم…
جذوع عريضة…
من غير أي ترتيب.
كأن الطبيعة كانت بترسم متاهة مُتعمدة.
الفروع كشت في وشّهم…
الخدود اتعورت…
هدومهم اتقطعت…
بس مهند ما بطّـلش.
كان سايب عقله ورا…
وسايب غرائزه قدّام.
—
بعد دقيقة جري مرعبة،
الغابة فتحت عن مساحة واسعة شوية…
بس كلها ظلمة.
أنس وقف…
نَفَسه بيخبط.
«مهند… مش شايف… مش قادر…»
مهند مسكه من وشّه:
«إسمعني…
لو توقفت دلوقتي…
إحنا خلاص.»
أنس عينه دمعت:
«أنا… خايف.»
مهند شدّه لحضنه نص ثانية بس…
نص ثانية كفاية إنها تفوّق قلبه.
وقال له بصوت واطي قوي، كأنه بيعاهد:
«وأنا معااااك.
من أول خطوة… لآخر خطوة…
بس لازم نمشي.»
—
صوت تكسير غصون.
صوت حدّ بيقرب.
مرّة يمين.
مرّة شمال.
مش مفهوم همّا فين.
ولا جايين منين.
المكان بقى بيصدّر أصوات من كل اتجاه.
كأنه بيحوّل القتلة لظلال…
والظلال لأشباح.
أنس قرب من مهند وقال بصوت بيرتعش:
«همّا… اتفرقوا؟»
مهند بلع ريقه:
«أسوأ حاجة…
إنهم يتفرقوا.»
—
وفجأة…
صوت صفّارة خفيفة…
مش صفّارة هوا…
صفّارة حدّ بينادي حدّ.
الاتنين اتجمدوا.
الصوت جه من على يمينهم…
وبعدها بنص ثانية…
صوت حركة جه من الشمال.
همّا…
حواليهم.
اتنين…
أربعة…
ولا اتنين بس وبيتحركوا بسرعة؟
مش معروف.
مهند قرب فمه ودن أنس:
«هنمشي بالهداوة…
من غير صوت…
لو جريّنا دلوقتي…
هيعرفوا مكاننا.»
أنس همس:
«طب وإحنا… نروح فين؟»
مهند:
«ورا الضوء الخفيف اللي هناك…
شايفه؟»
أنس فَرّق عينه…
وكان في نور بسيط…
بعيد…
مستخبي بين الأشجار.
«اه.»
«نمشي له… ببطء.»
—
بدأوا يتحركوا…
خطوة…
ورا خطوة…
ورا خطوة.
الأصوات كانت وراهم…
بس مش قريبة قوي.
ولا بعيدة.
مجرد كفاية إنها تقول:
“إحنا شايفينكم…
بس لسه ما مسكناش.”
أنس قال ودمعه نازل بالعافية من الرعب:
«مهند…
لو… لو مسكونا…»
مهند بص له بحدة:
«مش هيمسكونا.»
«بس لو—»
«قلتلك…
مش.
هيمسكونا.»
الكلمات اتقالت بقوة…
بقهر…
بحاجة أكبر من وعد.
حاجة شبه يمين.
—
وصلوا عند الضوء…
لكن لما قربوا…
الضوء ماكنش نور.
كان انعكاس.
انعكاس مية.
غويييطة.
بحيرة صغيرة وسط الغابة.
أنس قرب بصدمة:
«ده… مكان مفتوح…
هيلقونا فيه بسهولة!»
مهند مسك راسه:
«يا ربّ…
يا ربّ من غير أفكار خالص…»
—
وراهــم:
صوت فرع اتكسر.
صوت حدّ بيتنرفز.
صوت حدّ تاني بيقول:
«هما قريب…
قريب قوي…»
الوقت خلص.
مهند مسك إيد أنس وقال:
«هندخل المية.»
أنس اتسمر:
«إيه؟!
مهند… دي بحيرة… لو دخلنا—»
مهند:
«ده المكان الوحيد اللي مش هيعرفوا يشوفوا خطواتنا فيه.»
«بس… هنغرق؟!»
«يبقى نختار:
نخاف من المية…
ولا نخاف من الموت؟»
—
والفصل يتقفل على:
..
━━━━━━━━━━━━━━━━━━