✦ الفصل 159 – “
ليـــــــله المـــــــواجهه25
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
..
الغابة ما بقتش غابة.
بقت مسرح.
الإضاءة فيه ضلمة…
والضلمة فيها نقطة نور واحدة صغيرة…
النقطة دي كانت واقفة بين الوحش وأنس.
“مهــند.”
أنس قال اسمه بصوت ماكانش صوت.
كان حاجة بين البكاء والدعاء… بين الرجاء والصراخ.
كان بيقول اسمه كإنه بيتشبّث بحبل في آخر الدنيا.
مهند…
واقف قدّامه.
ضهره ليه.
باصص للمخلوق....مستني منه اي حركه....
جسمه مهتز من الخوف… بس واقف. ثابت.
ثابت لدرجة إن الأرض نفسها كانت خايفة تتحرك تحته.
—
وانس....
عيونه مش بتشوف…
عيونه بتغرق.
كل دمعة بتنزل منه كانت عاملة صوت…
كإنها بتخبط على قلبه من جوه.
أنس حاول يقف…
جسمه رافض.
إيده اتزرعت في الارض…
وصوته اتقطع وهو يقول:
«مـــهـــنـــد… بالله عليك… تعالي..."
صوت أنس بيترعش كأنه جاي من بطن الأرض.
إيده ممدودة…
بتترعش…
بتتحايل.
بيحاول يقوم مش قادر....
واقع، بيعيط… شايف صاحبه واقف قدام كابوس أسود أطول من كل الليلة.
—
المخلوق.
واقف.
راسه مميل زي الحيوانات اللي بتشم ريحة خوف.
ضحكته راحت…
ودلوقتي بيبص على مهند كإنه… بيقيسه.
مهند تنفّس بعمق.
مش نفس شجاعة.
نفس واحد بيحاول يصدّع الخوف بالهوا.
«خليك ورايا يا أنس…
لو سمحت…
خليك ورايا.»
أنس ضرب الأرض بإيده.
«لـــــــو سمحت انت!!!
تعال… تعال…
تعال قبل ما يلمسك…
تعال يا مهند… أنا…
أنا بخاف…
أنا بخـــــاف عليك!»
صوته جِه مكسور… قوي… وناعم… كله في نفس اللحظة.
النوع اللي يخلي حتى الشجر يقف يسمّع.
—
وفجأة…
المخلوق رجع خطوة.
ومهند حس بيها.
لكن ما خافش.
ما بصّش وراه.
بس شد صدره لقدّام…
وعينه اتغيرت.
الدموع محبوسه…
لكن النار طالعة.
—
ثم…
الخطوة.
خطوة الأب.
اللي صوته نازل من آخر الغابة.
تقيل.
ضخم.
زي واحد بيجرّ سلاسل من الغضب وراه.
أنس حس بالصوت قبل ما يسمعه.
صوته خرج تلقائي:
«مين… مين دا…؟»
ومهند قالها كإنه بيبلع حجر:
«أبــــويا.»
وهنا…
الدنيا وقّفت نفسِها.
—
المخلوق اتجمّد.
فعليًا.
اتجمّد.
حرفيًا كأنه وقت اتلجم حوالين جسمه.
مهند أخد خطوة واحدة صغيرة لقدّام.
مش تهوّر…
استسلام.
استعداد.
—
أنس كان بيدرب صدره بإيده وهو بيعيط:
«لا… لا… لا…
يـا مهند…
ارجع… ارجع…
مش هعوضك لو…
لو…»
الصوت قطع.
دمعة نزلت.
ومست خده بصوت سمعه هو بس.
—
الأب دخل المشهد.
مش دخل…
زلّ.
الضلمة نفسها اتحركت معاه.
صوته وهو يبتسم ابتسامة صغيرة…
تحسها مايلة بين الغضب والسخرية.
«لسه بتلعب فوق الشجر؟»
جملة واحدة…
خدت الهواء من صدر الكل.
المخلوق اتحرك…
زحف ورا ضهره.
كأنه بيستخبى.
ومهند؟
مهند لأول مرة…
اترعش.
—
أنس حس بيه.
قام.
وقع.
قام.
وقع.
وفي مرة حاول فيها يقوم…
إيده اتعلقت في الهوى كأنها بتتعلق بروحه.
وصرخ:
«مــهــنـــــد!!!
لو هموت…
هموت جنبك…
بس… متسيبنيش…
والنبي… متسيبنيش…»
الصوت دا…
الصوت دا كسر الليلة كلها.
حتى أبو مهند…
وقف ثانية.
مش رحمة.
ده لحظة استغراب.
—
المخلوق هدر.
ومهند قرب خطوة لقدّام.
أقرب للموت…
أبعد عن أنس.
«ارجع لوارا…»
الأب قالها للمخلوق من غير ما يبصله.
والمخلوق… رجع.
رجع كأن في حبل بيشده للورا.
—
مهند فهم...
فهم ان ابوه هيعمل اي حاجه عشان يوصله ...
فهم ان محدش يقدر يقف قدام ابوه....
فهم ان ابوه هيقتل اي حد يقف في طريقه....
فهم انه مش هيرتاح الا لما ياخده.....
فهم انه خلاص.....دا وقته...
لف وشه وبص لأنس نص ثانية.
نص بس.
بس كانت أطول دقيقة في الكون.
نظرة كلها:
خوف…
وداع…
و“سامحني”.
—
أنس هز راسه بدون ما يقصد.
«لا…
متبصليش كدا…
متقوليش وداع…
تعال…
تعال…
تعال…!»
ارجوك.....مش انت...لااا
تعال...والله مش هياخدك....
والله هنطلع من هنا....
متسيبنيش......
صوته طالع مقهور.....دموعه نازله بدون استئذان....
"مهند....ارجوك....
—
وهنا…
وهنا بدأت الحرب.
الأب مد إيده…
مش لإبنه.
للمخلوق.
والمخلوق…
هجم.
والأرض اتشقّت بصوت يخوّف قلب أبرد إنسان.
مهند شاف ابوه مشغول...
مش هيجي غير لما يخلص علي اللي قدامه الاول....
شافه هينشغل شويه....
ومهند شد انس من التشيرت:
«أنــــــــــــــس!!!
يلاااااا!!!»
وأنس…
مكانش قادر يتحرك ..
بس رجله اتحركت لوحدها...
اتحركت بدون ما عقله يوافق....
اتحركت كأنه بيهرب من نفسه.....
━━━━━━━━━━━━━━━━━━