الفصل الخامس عشر: “ المطارده ٣
---
كان آخر شيء سمعه مهند…
هو صدى خفيف طالع من فوق السلم.
مش خطوات…
ولا ضحكة…
حاجة بين الاتنين، غريبة، مكسورة…
وكأن حد بيتنفس من جوّا الحيطان.
وأنس؟
كان واقع على الأرض…
وشّه باهت أكتر من نور اللمبات اللي كانت بتموت وتولع.
جسمه بقى تقيل…
وإيده السليمة بتتزحلق من على كتف مهند كل ما يحاول يشيله.
مهند قال بصوت بيرتعش:
"أنس… أنس فوق… اصحى بس ثانية…"
لكن مفيش.
نَفَس أنس بقى قصير…
وعينه نص مفتوحة، كأنها لسه شايفة الظل… حتى بعد ما غاب.
مهند حس قلبه بيتشق.
وكل حاجة حوالين ودنه اختفت…
مابقاش سامع غير دقات قلبه.
ومع كل دقة… كان فيه إحساس واحد:
"أنا لوحدي."
—
فجــأة…
اللمبة فوقهم نورت…
وبعدين طفت…
وبعدين نورت تاني…
والظلمة بين اللمبتين كانت أعمق من الطبيعي…
أعمق لدرجة إنها تخوّفك من نفسك.
مهند رفع عينه…
وبص على آخر الممر.
كان فاضي.
سكت ثانية…
اتنين…
تلاتة…
وبعدين…
ظهر.
مش كامل.
ولا واضح.
ولا له ملامح.
بس ظهر كـ كتلة سواد واقفة بين نورين—
مرة واضح…
مرة بيختفي…
مرة الخطوط على دراعه تبان كإنها حروق…
ومرة يتبخر كأنه دخان.
مهند اتجمد.
جسمه كله زي تلج.
بس رجليه بتترعش.
الظل ماكانش بيتحرك…
كان بيراقب.
بيراقب مهند وهو بيبص له.
وكأنّه مستني لحظة واحدة…
بس اللحظة دي مش دلوقتي.
مهند حاول يشيل أنس:
"ه… هقومك… استنى… هنطلع من هنا… أنا مش سايبك."
بس أنس جسمه وقع تاني…
تقيل…
ولا فيه أي مقاومة.
مهند قرب وشه منه:
"أنس!!… بالله عليك… متعملش فيا كدا…"
…
الصمت.
…
وبعدين…
الصوت جه.
مش من الظل.
ولا من فوق.
ولا من بعيد.
الصوت جه جنب ودن مهند مباشرة…
رغم إن مفيش حد جنبه.
كان صوت نفس…
ساخن…
مكسور…
قريب جدًا…
قريب لدرجة إن مهند حس هواه على رقبته.
وبعدين…
صوت همس.
"مش… هو."
مهند اتجمد.
عينيه وسعت.
قلبه وقع في رجله.
مين بيقول مش هو؟
يقصد مين؟
وبيتكلّم لمين؟
والأهم…
إزاي الصوت جاف ريحه هوا؟
مهند لف بسرعة…
مفيش.
مفيش أي روح في الممر.
الظل اللي كان بعيد…
اختفى.
زي ما عمره ما كان موجود.
—
مهند حس الدنيا بتدوخ بيه.
لسه شايل جسم أنس…
لسه الدم بينزل…
ولسه مش فاهم حاجة.
بس كان في شيء واحد واضح جداً:
الظل مش عايزه.
الظل عايز… أنس.
لكن ليه؟
وليه قال “مش هو”؟
ومين "هو" أصلاً؟
ومهند…
على قد خوفه…
حس الشرارة الأولى للغضب.
"لو هيمسّه… لازم أعرف."
مسك جسم أنس من تحت دراعيه…
جرّه بالعافية…
إيده كانت بتتزحلق من الدم…
ومشى…
سنتيمتر…
سنتيمتر…
كل خطوه كانت أصعب من اللي قبلها.
وكان نفسه بيقطع.
ودموعه نازلة من غير ما يحس.
---
وصل للباب اللي قدّامه.
باب أوضة صغيرة فاضية.
مكنتش آمنة ١٠٠٪…
بس أحسن من الممر.
دخل…
قفل الباب…
وسحب ترابيزة خشب قديمة…
حطّها قدامه يسند بيها الباب.
قعد جنب أنس…
مسك وشه بإيديه…
وقال بصوت منخفض، مكسور، بس ثابت:
"أنا مش هسيبك… حتى لو موت."
وهو بيقولها…
كان سامع حاجة برا الباب…
جرررررررررررررر…
زي ما حد بيعدّي صباعه على الخشب…
ببطء…
وبلذة غريبة.
وبعدين…
تك
زي دقة خفيفة…
بس مش بإيد.
بحدّ.
حدّ معدني.
مهند شد نفسه…
ومسح دموعه بسرعة.
وقال بصوت واطي:
"لو عايزني…
تعالى."
الظل برّا…
سكت.
لحظة طويلة…
وبعدين—
ظهر صوته…
ضحكة قصيرة، مش كاملة…
زي حد فقد القدرة يضحك طبيعي.
ضحكة مش بشرية.
مهند مسك أقرب حاجة جنبه—
قطعة خشب مكسورة.
إيده بتترعش…
بس ماسكها جامد.
الظل قال همسة تانية…
أقرب…
أوضح…
أبرد:
"هو… هيفوق…
بس…
مش زي قبل."
مهند حس الدم يتجمد.
إيه يعني مش زي قبل؟
هيحصل له إيه؟
وإزاي هو عارف إن أنس هيفوق؟
و…
ليه؟
قبل ما يفكر…
اللمبة فوقهم ولّعت مرة أخيرة…
وبعدين انطفت.
////////////////////////
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الظلمة كانت تقيلة…
تقيلة لدرجة إن مهند حس إن صوته لو خرج، هيتكسر نصّين قبل ما يوصل لأي حد.
كان ماسك الخشب بإيد…
والإيد التانية على كتف أنس.
الثانية دي…
كانت أطول من العمر كله.
لحد ما…
أنس اتحرّك.
مش حركة كاملة…
مجرد رعشة صغيرة في صوابعه.
لكن الرعشة دي كانت زي صرخة.
مهند نط من مكانه: "أنس!!… أنس، سامعني؟"
مفيش رد.
بس صدر أنس طلع ونزل…
ببطء…
بشكل مش طبيعي…
زي اللي بيتنفس بحاجة مش هوا.
وفجأة—
عينه فتحت.
مش فتح كامل…
نص فتحة…
لكن الغريب إن عينه ما كانتش بتبص قدامه.
كانت بتبص…
فوق كتف مهند.
على الباب.
على الظلام اللي وراه.
مهند قرب وشه منه: "بصلي يا أنس… هنا… هنا!"
أنس ما بصش.
كأنه شايف حاجة مهند مش شايفها.
شفايفه اتحركت… كلمة واحدة خرجت بصوت مبحوح، مش مفهوم في الأول…
"… واقف …"
مهند اتجمد: "مين واقف؟! فين؟!"
عين أنس سابت الباب وبصّت في السقف…
كأنه شايف حاجة بتتحرك فوقهم.
وبعدين…
صرخة.
مش من أنس.
من اللمبة.
اللمبة انفجرت فجأة، شرر وقع على الأرض…
والأوضة بقت غرقانة في سواد كامل.
مهند مد إيده بسرعة ولحق راس أنس: "معايا… معايا متخافش…"
لكن أنس في اللحظة دي…
بدأ يتنفس بسرعة…
جسمه يهتز…
مش رعشة عادية—
حركة مش مفهومة، كأن حد بيشد أعصابه من جوّه.
مهند قال: "أنس!!! ركّز معايا!!!"
لكن…
أنس فجأة وقف.
مش قام…
لأ—
وقف لفوق بسرعة مش طبيعية، كأنه اتسحب بخيط.
مهند رجع لورا بخضة: "إيه دا—؟؟؟"
أنس واقف…
وعينه مفتوحة بس مفيش فيها حياة.
ولا وعي.
ولا حتى معنى.
وبعدين…
لف دماغه ناحية مهند.
ببطء.
بطــــــــــــــء يخوّف.
مهند وقف مكانه…
مش قادر يتحرك.
وأنس…
فتّح بقه بكلمة طلعت مش بصوته.
صوت مكسور…
خشن…
غريب…
"… أخــــــيرًا."
مهند: "أنس؟! أنس!!!"
بس مش أنس اللي بيرد.
الظل…
كان بيتكلم “منه”.
الصوت كمل: "كنت مستنيه يبعد… كنت مستنيه لوحده…"
مهند حس روحه بتتسحب: "انت… عملت إيه فيه؟!"
أنس/الظل رفع إيده…
مش بإرادته…
كأن حد بيلعب بخيوط puppet.
إيده اتحركت ناحية صدره…
لمس مكان الضرب القديم…
مكان الخوف القديم…
وبصوت بطيء جداً قال:
"ده… اللي كان… ناقص."
مهند صرخ: "سيبـــه!!!!"
لكن الباب اللي وراهم…
فتح لوحده.
ريح سودة دخلت، باردة، كأنها جاية من مكان مافيهوش روح.
وأنس…
وقع.
مرة واحدة.
زي حجر.
زي ما انقطع الخيط اللي كان شايله.
مهند جري عليه: "أنس!! أنس!!!"
مفيش رد.
الصوت…
اتقطع.
والظل؟
اتراجع…
لكن قبل ما يختفي، سب كلمة واحدة…
كلمة سمعها مهند جوا رأسه مش ودنه:
"ماخـــلّصـــتش."
وبعدين…
هدوووووء.
مهند قاعد على الأرض…
ضامم أنس لحضنه…
وهو بيتنفس بصعوبة…
وبيحس إن اللي حصل دا…
ماكانش بداية النهاية.
دا كان بداية البداية.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
دا كله لسه في الدور الارضي اللي يعتبر تحت الارض في المدرسه والظل يهاجمهم والله اعلم هيخرجو ولا لا عشان بس متهوش❤️