الفصل السادس عشر: المطارده ٤

---

مهند كان قاعد على البلاط البارد…

دهره للحيطة…

وإيده ملفوفة حوالين أنس اللي ملامحه بقت باهتة جدًا.

صدر أنس بيطلع وينزل بصعوبة…

كأنه بيحارب على كل نفس.

مهند قرب وشه منه، صوته بيتهز:

"أنس… اسمعني… سامعني؟"

نَفَس أنس خرج متقطع…

مش كلمة…

بس الصوت نفسه كان كفاية يخوّف مهند أكتر من الظلمة اللي حواليهم.

مهند ضمّه أقرب، كأنه لو سب إيده ثانية هيتسرّب من حضنه ويتوه في الهوى.

اللمبة فوقهم كانت بتعمل فلاش…

تنور…

تطفي…

تنور…

ولما بتطفي… الظلمة بتبقى سواد خالص، لدرجة إن مهند بيحس إن المكان بتنفس لوحده.

وفجأة—

نور اللمبة ولّع جامد ثانية…

وبعدين هدى.

ساعتها…

مهند سمعه.

صوت جرّ…

زي حد بيفرك ضوافره في الحيط…

ببطء…

وبإصرار…

صوت يخليك تتخيل إن الحيط نفسها بتتوجّع.

مهند رفع راسه ببطء…

وبص على الباب.

الصوت كان… برا.

قريب قوي.

بس…

ماكانش صوت بني آدم.

أنس فجأة اتنفض نفضة خفيفة في حضن مهند…

إيده السليمة مسكت في التيشيرت بإيد رخوة.

مهند اتوتر: "استنى… استنى بس… أنا معاك. ما تتحركش."

صدر أنس ارتفع مرة زيادة…

ومرة تانية أقل…

وكأنه بيغرق في الهوا اللي حواليه.

مهند حاول يعدل قعدته…

قربه ليه أكتر…

بيهمس له:

"بالراحة… أوعى تسيب نفسك."

وبين الكلام—

الصوت جه تاني.

---

تااااك… تاااااك…

زي جسم معدني بيدق على الباب.

مش خبط.

مش رزع.

دقّ…

منتظم…

وكأنه بينادي.

مهند حس جسمه يتشد، قلبه يدي خبطة توجع.

بص للباب…

وبعدين على أنس…

وبعدين على الباب تاني.

وبين الدقتين…

الصوت اتكلم.

مش جوه.

مش بعيد.

عند ودنه.

قريب جدًا…

لدرجة إنه حس الهوا بيتحرك عند رقبته.

الصوت قال:

"سِيبّ…ه."

مهند اتجمد.

جسمه كله تشنّج، دماغه فضيت في ثانية.

هو…؟

سِيبّه؟

ليه؟

عايز أنس؟

مهند مسك أنس أكتر…

صوت غضب طلع منه لأول مرة:

"مش سايبه! فاهم؟!!"

الصمت رجع…

ثانية…

اتنين…

تلاتة…

وبعدين—

ضحكة.

ضحكة قصيرة…

متقطعة…

مش ضحكة إنسان…

ضحكة كأن الحلق متقطع، والنَفَس مش مكمل.

أنس شهق شهقة صغيرة…

وبعدين جسمه اتراخى أكتر…

ورقبته ميلت على كتف مهند.

مهند اتجنن:

"أنس!! … أنس فوق! فوق! بالله عليك…"

مفيش.

النَفَس بقي أخف…

وأبطأ…

وكل طلعة نَفَس كانت بتحسّس مهند إن المرة اللي بعدها مش مضمونة.

اللمبة فوقهم نورها قل…

وبعدين طفت.

ظلمة كاملة.

مسودة…

مافيهاش حتى ضيّ من تحت الباب.

مهند حس صوت خطوات…

مش رايحة…

جاية.

كأن الظل واقف ورا الباب…

وبيفكّر يدخل ولا لأ.

ووسط الظلمة—

الصوت جه تاني:

"هيموت…

لو فضلت ماسك فيه."

مهند رد بصوت دافي… بس ثابت… وغاضب… ومكسور:

"لو هيموت…

هيموت وهو في حضني."

وساعتها…

اتغير كل حاجة.

الصوت وقف.

الخطوات وقفت.

ولا صوت، ولا نفس، ولا حركة.

ثانية…

اتنين…

اتلاتة…

وبعدين—

اللمبة فوقهم ولعت مرة أخيرة وضربت نور قوي.

وفي النور…

مهند شاف “ظل” أوسع من الباب نفسه…

واقف ورا الخشب…

والخطوط المحروقة في دراعه بتلمع لمعة بسيطة.

وبعدين—

النور طفى.

وكل حاجة اختفت.

غير صوت نفس واحد…

لأنس…

وبعدين—

انقطع.

//////////////////////////////

النَفَس…

وقف.

مهند حسها.

مش فكرة…

مش شك…

لأ.

حسّ صدر أنس وهو بيبطّأ…

وبيبطّأ…

لحد ما مبقاش بيطلع.

الدماغ بتزقّ:

"اتحرّك!

اتصرّف!

اعمل أي حاجة!"

بس جسمه…

ماتسمّرش مكانه.

كان شايل أنس بطريقة تخوّف—

كأن لمساته هتحدد لو صاحبه هيرجع يتنفس ولا هيفضل كده للأبد.

مهند هزّه: "أنس!!… أنس بالله عليك… اسمعني…"

مافيش.

نَفَس أنس كان…

ساكت.

مهند حس صوته بيطلع من حتّة ما استعملهاش قبل كده:

"لا… لا يا أنس… مش كده… مش دلوقتي…"

حط إيده على صدره…

بيقيس النفس…

ولا حاجة.

إيده التانية مسكت خد أنس اللي كان بقى بارد شوية…

مش كتير…

بس كفاية يمرّر رعشة في ضهر مهند لحد آخره.

الظلمة حوالين مهند كانت سودة…

لكن جوّه كان أسود أكتر.

وبعدين…

الصوت رجع.

مش همس.

مش ضحكة.

ولا تنفّس.

صوت خطوات…

تقيلة…

قريبة…

من ورا الباب…

من تحت الأرض نفسها.

كأن اللي برا…

بيهدي رجليه بالعافية.

مهند شهق من غير صوت…

وبص للباب الضلمة مغطيه كأنه مش موجود.

والموت جاي…

ماشي على رجلين.

مهند مسك أنس أكتر…

شدّه على صدره…

وحط إيده على وشه…

صوته كان بيتهدّج:

"بقولك مش هتلمسه....

مش هتلمسّه… فاهم..

ولا حتى بعد ما يموت."

الخطوات قربت.

قربت.

لحد ما الصوت بقى عند الباب بالظبط.

ووقف.

الهوى نفسه وقف.

ثانية…

اتنين…

وبعدين—

تاااااك.

مش خبط.

دقّة صباع…

على الخشب.

مهند اتشنّج.

هو مش عايز يخاف…

بس جسمه كان بيتلعّب.

وبعدين…

الصوت اتكلم.

"إنت… مخــتار."

جملة قصيرة…

بس طلعت كأنها طالعة من جوف مقبرة.

ومش مفهومة.

مُختار؟

لمين؟

وليه؟

ومن إمتى أصلاً؟

مهند ماعرفش يرد.

الصمت كان تقيل.

وبعدين—

الصوت مالقرايب أكتر…

لدرجة إن مهند حس نَفَس غريب، مش سخن…

نَفَس بارد بشكل مش طبيعي…

بيلمس ودنه.

وقال:

"هو… هيرجع."

قلب مهند وقف.

هيرجع؟

أنس؟

إزاي؟

وليه الظل واثق؟

والأهم…

هيرجع “إزاي” بالظبط؟

قبل ما يفكّر…

أو يسأل…

أو حتى يبتلع ريقه—

اللمبة فوقهم ولعت فجأة.

ولمعت جامد.

ولمعتها عملت صوت "تك" عالي.

وفي النور الخفيف اللي جه ٣ ثواني بس…

مهند شاف ظلّ واقف ورا الباب.

أعرض من الإنسان.

أطول.

والخطوط اللي في دراعه بقت باينة أكتر…

زي وشم متحرق.

وبعدين—

اللمبة طفت.

ورجعت الظلمة مرّة تانية.

لكن…

كان في صوت جديد.

صوت…

قصير…

متقطّع…

خافت…

جاي من صدر أنس.

مهند هزّه: "أنس!!… أنس؟!!"

أنس أخد شهقة صغيرة تانية…

وبعدين صدره ارتفع…

مرة…

وتانية…

مش طبيعي.

مش ثابت.

بس… رجع.

مهند قرب علي ودنه: "أنس؟… أنس اسمعني…"

وصوت بسيط…

هادئ…

مكسور…

طلع من حلق أنس:

"مــ…ــهند…"

الصوت كان ضعيف لدرجة ما يتسمعش…

بس كان موجود.

مهند دموعه نزلت بالعافية وهو بيحضنه جامد:

"معاك… معاك يا أنس… فوق… بالله عليك فوق…"

لكن…

القدام…

لسه مش آمن.

ولا الصوت خلص.

وبرا الباب…

كان فيه صوت رجوع خطوات…

… بعيد.

… وبعدين وقف.

وبعدين قال كلمة أخيرة قبل ما يسكت:

"لسّه… بدري."

......................

2025/11/26 · 3 مشاهدة · 892 كلمة
reven
نادي الروايات - 2026