━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الفصل 163– "
ليــــــله المــــــــواجهه29
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
..
الصوت تكرر تاني.
مش عالي.
مش واضح.
بس كفاية يهز دم الاتنين.
مهند وقف أول واحد…
مش بقوّة…
بسرعة.
إيده اتقفلت على إيد أنس وكأنها انعكاس مش قرار.
«قوم…»
همسها، لكن وراه كان فيه خوف مش شبه أي خوف فات.
أنس قام بسرعة…
رجليه كانت تقيلة من العياط…
بس قلبه؟
قلبه جريت قبله.
—
أول ما وقفوا…
العتمة قدّامهم اتحركت.
زي ظل…
زي شخص…
زي حاجة ماشية في اتجاههم من بعيد.
مهند سحب أنس ناحيته فجأة.
السحبة كانت قوية…
مش لأن أنس مش قادر يمشي…
لكن لأن مهند حسّ بالخطر قبل ما يشوفه.
«امشِ.»
قالها بنبرة واطية…
واضحة…
قَطعية.
أنس ما سألش “مين ده؟”
ما قالش “يمكن مش هو”.
الغريزة اتحكمت.
وإيده مسكت هدوم مهند من وراه وهو بيمشي معاه.
—
خطوتين…
خمسة…
عشرة…
والصوت اللي وراهم بدأ يبقى أوضح.
مش خطوات بس…
ده صوت نَفَس تقيل…
نَفَس حد بيدوّر…
حد لسه ما خلصش.
مهند بص وراه من فوق كتفه نظرة واحدة بس—
وأول ما شاف شكل الحركة…
اتجمد نص ثانية.
كانت كفاية يخاف…
بس مش كفاية يوقف.
«اجري.»
والمرة دي ما كانتش همسة.
كانت أمر.
—
الاتنين جروا.
مش زي الجري اللي قبل كدا.
المرة دي…
الجري كان بمعنى “النجاة أو الموت”.
الأشجار بتعدّي جنبهم بسرعة…
الأرض بتتهز تحت رجليهم…
الهوا بيقطع في صدرهم…
بس ولا واحد وقف.
ولا واحد بطّل.
أنس كان بيسحب نفسه بالعافية…
صدره مولّع…
لكن دموعه اللي لسه ما نشفتش عملاله ضباب مش بيشوف منه غير ظهر مهند.
ظهره اللي مش هيسمح يبعد عنه تاني.
—
بعد دقايق طويلة من الجري…
وصلوا لمنطقة أعمق.
أعمق بكتير مما مفروض حد يدخلها بالليل.
الظلمة هناك مختلفة.
سميكة.
تقيلة.
وبتنور بس من نور السما اللي مافيهاش قمر.
مهند وقف فجأة، وحط إيده على صدر أنس بسرعة:
«استنى… اسمع…»
أنس وقف وهو يلهث…
قلبه بيدق جامد لدرجة كان سامعه في ودانه.
سكتوا…
الصوت وراهم؟
ما بقاش قريب.
ما بقاش بعيد.
بقى… مفيش.
الدقيقة دي كانت مرعبة أكتر من الجري نفسه.
—
أنس: «هو… هو مشي؟»
مهند ما ردش.
كان مركز في الهوا…
في الورق…
في أي لمسة حركة.
وبعدين…
من بعيد جدًا…
زي صدى…
زي صوت حاجة بتتحرك في الاتجاه العكسي.
مهند شهق شهقة صغيرة…
مش خوف.
راحة.
«مشي…»
قالها وهو بينزل على ركبته.
—
أنس قعد جنبه على طول…
مش علشان وقع…
علشان رجليه خلاص ما استحملوش.
الإتنين قعدوا في نفس الوقت…
نفس النفس…
نفس الارتجاف…
نفس التعب اللي طالع من العظم.
مهند مسح وشه بإيده…
وقال ببطء:
«هو… خلّص على اللي كانوا بيدوّروا علينا…»
أنس حسّ بجلده يقشعر.
مش من الرعب…
من الحقيقة.
«يعني… مافضلش حد… غيره.»
مهند هز راسه.
«أيوه…»
—
الهدوء اللي نزل حواليهم ما كانش أمان.
كان هدوء "النجاة المؤقتة".
النوع اللي تفضل تسمع فيه دقات قلبك أكتر من أي صوت تاني.
—
بعد شوية، مهند وقف بصعوبة.
«لازم نرتاح… بس واحد يصحى، وواحد ينام. ما نعرفش لو هييجي تاني.»
أنس هز راسه بسرعة.
«انت نام…»
مهند بص له بنظرة رفض واضحة.
«لا. أنا هسهر الأول.»
«ليه؟» أنس سألها كأنه متوقع الإجابة، ومع ذلك… مستني يسمعها.
مهند قرب منه شوية.
صوته كان هادي…
مكسور…
حقيقي.
«لأنك كنت بتعيّط من شوية…
وجسمك كله مرعوب…
وانت محتاج تنام أكتر مني.»
أنس بص له نظرة ما بين غضب… وامتنان…
نظرة مش لاقية ترد.
«طب… تصحّيني بعد شوية؟»
«أوعدك.»
—
أنس نام بصعوبة…
مش لأنه مش تعبان.
لكن لأنه خايف يغمض عينه ويفتحها وما يلاقيش مهند.
بس التعب انتصر…
وغرق في النوم.
مهند قعد جنبه…
ظهره للحائط…
وعينه على الظلمة.
يعدّ النفس.
ويعدّ الأصوات.
ويعدّ الدقايق.
ومن غير ما يحس…
إيده فضلت قريبة من إيد أنس…
مش ماسكها…
بس موجودة.
زي وعد صامت.
—
لما بدأ الفجر يطلع…
لون السما اتحول من اسود لازرق هادي.
أنس اتحرك…
فتح عينه ببطء…
وبص أول حاجة على وش مهند.
مهند كان صاحي.
مرهق.
بس صاحي.
ابتسامة صغيرة ظهرت عند أنس…
بس قبل ما يقول أي حاجة…
موبايل مهند…
لَمع.
رسالة.
مهند بص.
جسمه اتوتر.
وشه اتجمّد.
أنس قرب بسرعة.
«مين؟»
مهند ما ردش.
إيده كانت ماسكة الموبايل جامد…
كأنه خايف منه.
وبعدين…
سلّم الموبايل لأنس.
جملة واحدة بس.
كانت كفاية تبرد الدم.
«دا مكنشي يومك ي مهند ...انا جيت انقذك عشان موتك يكون علي ايدي انا بس.....»
انا عاوز اخلص عليك انا بنفسي...
مش هتخلص علي ايد حد غيري....
بس مش النهارده.....
وهعمل كدا مع اي حد هيقف في طريقي...
"طريقي لموتك....
الأب.
هو اللي باعت.
—
أنس رفع راسه ببطء…
عينيه اتسعت…
والنَفَس اتقطع.
ومهند؟
ولا كلمة.
ولا نفس.
بس الخوف اللي في عينه…
كان أكبر من خوف الليل كله.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━