الفصل الثامن عشر: “المطارده ٦
---
أنس صرخ.
صرخة مقطوعة…
زي حد بيقطع نفسه بإيده.
وجسمه اتلوّى في حضن مهند كأن حاجة جواه بتتكسر.
ومهند من غير ما يفكر…
ولا ياخد نفس حتى…
مسك صاحبه من دراعه وشده لقدام، كأنه بيحاول يسرقّه من “حاجة” بتشدّه بالعافية.
بس…
أول ما رجّع أنس لقدام خطوة…
جسم أنس اتفكّر للحظة.
اترخى.
وبعدين…
شدّ تاني…
بس المرة دي مش شد طبيعي.
دا شد حد جواه بيحاول يرجّعه ورا.
مهند اتوتر…
بص في ظهر أنس بسرعة، خوف يكون الظل رجـع تاني…
لكن مفيش.
الظهر فاضي.
الهوا فاضي.
الممر كله فاضي…
ومع ذلك…
كان في إحساس تقيل…
زي نفس بارد بيعدي من بينهم.
"أنس! اسمعني! اتماسك!"
مهند قالها وهو بيحاول يشيل جسمه أكتر.
أنس حاول يرد…
بس الصوت اللي خرج…
ماكانش صوت إنسان.
كان زي همسة مش واضحة…
صوت مش مفهوم…
متقطّع…
ومهند حس لحظة إن الكلمة مش طالعة من بقه…
طالعة من صدره.
"…سيب…"
مهند اتجمد نص ثانية.
عينه فتحت.
"مش هسيب. فاهمني؟
أنس عض على شفايفه…
وكأنه بيقاوم حد جواه بيكلم مكانه.
إيده اتشنجت على كتف مهند…
مش ماسكة فيه
لا…
بتتعلق فيه.
"م… مهند…"
الكلمة خرجت بصعوبة، لكنها كانت صوته الحقيقي.
"أنا هنا… شد معايا!"
بدأوا يتحركوا…
خطوة…
خطوتين…
بس كل خطوة كان فيها مقاومة…
كأن أنس مربوط بخيط مش باين، وكل ما يقرب من الباب…
الخيط يشد أقوى.
النور في السقف بدأ يومض…
لمبتين طفتوا.
لمبة وراهم وَلّعت لوحدها…
ولمبة قدامهم هزّت كأن حد لمسها.
مهند حس شعر إيده يقف.
الجو كله بقى طري…
تقيل…
مقفول.
وفجأة…
أنس وقف مكانه.
جسمه اتصلّب.
عينيه اتسعت.
"مهند… هو… هو…"
مهند حط إيده على وشّه:
"بُصّلي! هنا! هنا يا أنس! محدش معانا!"
أنس رمش رمشة بطيييئة…
وبعدين خرج نفس من صدره كأنه بيطلع دخان.
"هو مش ورا…"
عيناه اتجهت لمهند بالبطء ده اللي يخوّف.
"هو جوّه… وبيسحبني."
القشعريرة اللي ضربت مهند كانت أول مرة يحسها كده.
بس ما فكّرش.
ولا تراجع.
شدّ أنس بعنف ناحيته.
"إسمعني! لو هو جواك… يبقى هنخرّجه. بس مش هنا. مش جوّا المكان دا."
الممر وراهم اتكسى بعتمة خفيفة…
كأن الضلمة بتزحف ناحية رجليهم.
مهند حط دراع أنس على كتفه…
وضمّه جامد…
وبدأ يتحرك بيه ناحية باب الخروج.
خطوة…
وتقل.
خطوة…
وتقل أكتر.
قريبة جدًا من الباب…
قُرب يدوّخ.
وفجأة…
أنس شد شده جامدة للوراء…
راسه رجعت بسرعة…
وجسمه اتقذف كأنه حد خبطه.
صرخة اتقطعت من حلقه…
والنور طفى لحظة.
ومهند…
من غير ما يتنفس حتى…
مسك أنس من هدومه
وشـدّه لقدام
كأنه بيحارب حد مش شايفه.
وبس لما النور رجع…
كانوا واقفين على بُعد خطوة…
بس خطوة واحدة بس…
من باب الخروج.
وكل حاجة في المكان…
كل ضلمة…
كل نفس…
كانت مستنية يشوفوا…
هل هيطلعوا؟
ولا الظل هيسحبهم قبل ما يوصلوا؟
---