الفصل التاسع عشر: “المطارده ٧
---
كان الممر بيترجّ…
مش بسبب خطوات…
ولا بسبب الهواء…
بسبب الصرخة اللي خرجت من أنس.
صرخة مقطوعة…
مش بشرية…
زي حد بيقطع نفسه من جوّه ويحاول يطلع الصوت بالغصب.
مهند اتجمد ثانية…
ثانية واحدة بس…
وبعدين عقله وقف، وقلبه مسك القيادة.
شدّ صاحبه قدّامه بكل قوته: "يلا… يلا يا أنس… نمشي دلوقتي!"
بس أنس…
جسمه مش جسم أنس اللي يعرفه.
كان تقيل…
وأكتر من التقيل—
كان مقاوم.
كأنه في لحظة واحدة…
في “حاجة” جواه مسكت عضلاته وبتحاول ترجّعه خطوات ورا.
ومهند؟
عضلات إيده وجسمه بيشدّوا في الاتجاه العكس.
نفس الممر…
نفس الظلمة…
بس الجو بقى مختلف.
كأن المكان نفسه بقى متنفس…
بينفخ هوى بارد في ضهرهم…
زي حد واقف قريب جدًا.
وفجأة—
الباب كلّه هزّ.
الباب اللي وراهم…
باب الخشب اللي كان واقف يتحرك بسكون…
بدأ يترعش…
أول مرة…
تانية…
وبعدين—
بوم!!!
ضربة…
ضربة كأن حد خبطه بجسمه كامل.
مهند بص وراه بسرعة…
الضوء الخفيف اللي كان طول الوقت بيقطع… اختفى.
ظلمة كاملة.
بس في نص الظلمة…
ظهر خط نور صغير من تحت الباب.
والنور ده… كان بيتقطع…
زي ظل حد واقف قدّامه.
حد… “واقف”؟
ولا واقف جوا الظل نفسه؟
مهند حسّ قلبه يضرب في ودنه.
أنس اتنفس بصوت مسموع…
كان نفسه بيطلع زي حد بيعافر في ميّة.
وقال ببقا مفتوح نص فتحة: "هو… جاي…"
مهند شدّه أكتر: "مش هياخدك! فاهم؟ مش هياخدك."
لكن فجأة—
إيد أنس اتشدّت لوحدها لورا.
مش زحلقت…
مش وقعت…
اتشــــدت.
زي ما لو خطاف مسكها من ورا وجذبها بعنف.
مهند لحق يمسكه قبل ما يقع…
بس الإيد اتكسرت في الهوا في اتجاه غلط.
العروق على دراع أنس طلعت…
كأنها بتجري تحت الجلد بشراسة.
ومهند صرخ: "أنس!!! ركّز معايا!!!"
أنس بص لمهند…
لكن النظرة مش نظرة حد شايف صاحبه.
كانت نظرة اتنين جوا نفس الجسم: واحد بيحاول يستنجد…
والتاني بيحاول يطلع.
مهند مسك وشّه: "بصلي! بصلي يا أنس! ركّز معايا … ركّز!"
ومرة واحدة…
الباب اتشقّ.
مش اتكسر.
اتـشـــقّ.
زي ما لو حد عدّى بإيد طولها مترين… وسحب الخشب بإيده.
ونفس الصوت…
نفس النفس البارد…
ظهر ورا الباب.
كان قريب. قريب قوي.
قريب لدرجة إن مهند حسّ “سخونية” على رقبته…
سخونية مش من روح…
من حاجة مش بشرية.
وبعدين…
الصوت قال: "سيبـــه."
كلمة واحدة.
والهواء اتحرّك.
مهند اتصنّم.
بس ايده شدّت أكتر على دراع صاحبه.
"مش هسيبه. عمرك ما هتاخده."
ساعتها—
حصلت حاجة ما حصلتش قبل كده.
أنس…
اللي كان لسه جسمه تقيل…
لفّ راسه لمهند بسرعة مش بتاعته.
عينيه اتفتحت كامل…
ومرة واحدة—
هجم على مهند.
مش هجوم كامل…
هجوم “نصه أنس”…
و”نصه مش هو”.
إيده اليمين اتشدّت على رقبه مهند بقوة…
قوة مش طبيعية.
قوة ممكن تكسر العضم.
مهند وقع على ضهره…
وأنس فوقه بيخنقه...
نفسه ثقيل…
وعينه نصها أنس… نصها سواد.
السواد كان بيتحرك…
زي دخان جوا العين…
بيملأ الأبيض…
وبيختفي…
ويرجع.
ومهند على الأرض…
اتصدم…
خاف…
بس في نفس الثانية…
افتكر.
افتكر “الحظة” اللي كانوا فيها فوق السطح زمان…
لما أنس كان بيضحك من قلبه…
ولما قاله:
"أنا عمري ما هسيبك يا مهند… حتى لو خفت."
اللحظة دي…
كانت الشرارة.
مهند رفع إيده…
وحطها على كتف أنس.
صوت مهند كان متكسر…
بس ثابت: "انت مش هو… إنت أنس… وصحبي… والوحيد اللي عمري ما هسيبه."
لحظة…
سكون…
أنس ارتعش.
جسمه كله اتكهرب كأنه بيتحارب جوا نفسه.
عينه السودة بدأت تتراجع…
نقطة…
نقطة…
لحد ما ظهر الأبيض.
وبعدين—
أنس وقع جمب مهند....
وقع كامل.
زي حد اغمى عليه…
أو زي حد اتسحب منه كل الهواء.
الممر هدي.
الباب وقف.
الصوت… اختفى.
مهند، وهو لسه على الأرض…
لفّ دراعه حولين صاحبه…
وسمّع نفسه يقول بصوت مكسور:
"لسه هنكمل… لسه هنخرج… سمعني يا أنس؟"
لكن أنس…
ما ردّش.
---
أنس كان ساقع.
ساقع لدرجة تخوّف.
مش برودة جسم عادي…
برودة حدًّا… برودة شبه الموت.
مهند قرب وشه منه.
"يا ابني… قوم… بالله عليك قوم…"
نَفَس أنس كان لسه راجع…
بس راجع غريب.
زي حدّ كان بيتسحب منه الروح ورجعت بالعافية.
وفجأة…
حاجة حصلت.
الدخان اللي خرج من صدره من شوية…
كان باين أثره عليه.
مش أثر جسدي…
أثر في الملامح.
ملامح أنس بقت هادية زيادة عن اللزوم.
مش هدوء طبيعي.
هدوء حدّ لسّه راجع من حافة تانية.
يد أنس—اللي طول الوقت كانت مرمية زي ورق—
اتحرّكت شوية.
مش حركة واعية…
حركة بسيطة… رعشة خفيفة…
راحِت على ضهر مهند…
زي ما لو بيطمنه.
مهند مسك إيده بسرعة: "أنا هنا… أنا هنا يا أنس…"
وبعدين…
انهار.
مهند نفسه… انهار.
حط راسه على كتف صاحبه…
وعيط.
مش عياط صوت عالي…
لأ
دموع نازلة من غير صريخ…
بس مرّة… ورا مرّة…
ونفسه بيتهز.
"أنا كنت هفقدك… فاهم يعني إيه؟ كنت هفقدك…"
إيده كانت ماسكة في هدوم أنس جامد.
وكأنه لو سابها… أنس هيختفي.
النور فوقهم ثابت…
بس الجو حواليهم بقى تقيل.
تقيل لدرجة إن كل نفس بياخدوه…
حاسّين بثقل غريب.
مكان الحدث لسه مرعوب من اللي حصل.
أنس حاول يتحرك تاني…
رعشة بسيطة… ضعيفة…
لكن موجودة.
مهند رفع راسه بسرعة: "استنى… استنى… انس ...صحيت؟"
أنس فتح عينه نص فتحة.
مش قوي.
بس كفاية إنه يبص على مهند للحظة قصيرة.
نظرة مش كاملة…
روح لسه بترجع من ضلمة طويلة.
وبصوت واطي جدًا… مبحوح… مكسر: "متسبنيش…"
الجملة قتلت مهند من جوّه.
قتلت كل حاجة جواه.
مسك وشه بين إيديه…
وصوته خرج ثابت لأول مرة من بداية الليلة:
"مش هسيبك… حتى لو رجع ألف مرة."
حتي لو دخل جسمك واتحكم بيك الف مره....
مش هسيبك له.......
حوالين الاتنين…
المكان لأول مرة من بدري…
سكت.
سكت تمامًا.
ولا خطوة.
ولا همس.
ولا ضحكة محروقة.
ولا ظل.
بسّ…
صوت أنفاسهم الاتنين.
واحد منهما بيدوّر على الحياة…
والتاني ماسكها بإيديه.
---
مهند كان ماسك إيد أنس بتترعش…
مش رجفة خوف بس—
رجفة إن اللحظة دي نفسها تقيلة عليه…
أكتر من أي حاجة مرّ بيها.
أنس حاول يحرك صوابعه… مجرد حركة صغيرة…
بس نفس الحركة دي كانت كأنها سكينة اتحركت في قلب مهند.
"أنا… هنا… أنا معاك،"
الكلمات طلعت من بقه مش جميلة… مش مرتبة…
طلعت وهي بتتزاحم مع النَفَس اللي مش راضي يطلع أصلاً.
أنس رمش ببطء…
بعينه اللي لسه فيها أثر السواد اللي كان جواه…
وبص على مهند نظرة صغيرة… ضعيفة…
لكن كانت مليانة معنى واحد:
"أنا عايش… عشان إنت هنا."
مهند بصله.....
شعوره كان حاجة بين الفزع… والصدمة… والغضب…
غضب إنه اتأخر… غضب إن أنس اتأذى…
وغضب من نفسه إنه مقدرش يمنع اللي حصل.
نَفَس أنس اتلخبط فجأة…
صدره ارتفع…
ونزل بسرعة…
وبعدين اتوقف نص ثانية…
نص ثانية بس…
بس النص ثانية دي كانت كفيلة تخلي مهند يحس إن قلبه وقع حرفياً.
"أنس… أنس ركّز!"
إيده شدت على كتف أنس.
"بصّلي… بصّلي!!"
أنس بالعافية بصله…
وعينه كانت بتلمع دمعة صغيرة…
دمعة مش وجع…
دمعة خوف.
"أنا… مش حاسس… بإيدي…"
كلمة كلمة…
زي طفل بينطق أول مرة…
بس أول مرة كلها رعب.
مهند خد نَفَس عمييييق…
حاول يمسك نفسه…
حاول يخلي صوته ثابت…
بس مهما حاول… الدموع كانت بتنقط من تحت رموشه وهو مش واخد باله.
"ولا يهمك… هنرجّع كل حاجة…
بس متقفلش عينك… لا لا… خليها عليّا…"
ومهند كان لسه ماسك في صاحبه....
خايف يسيبه......
حصلت الحركة اللي كسرت اللحظة.
أنس فجأة اتشنّج…
جسمه اتقوّس لقدّام…
وطلع نَفَس عالي…
مش صرخة…
مش تنفّس…
نَفَس خوف.
ومهند صرخ بدون ما يقصد: "أنس!!"
أنس قال بصوت مبحوح جدًا:
"متسيبنيش… بالله عليك…
لو رجع… لو جه تاني…
متسيبنيش ليه…"
ومهند حضنه أكتر…
وقال بصوت متقطع واضح فيه العياط:
"ومش هسيبك… ولا ثانية…
ولا لو الدنيا كلها بقت سَواد…"
وبين لحظة ولحظة…
النَفَس بتاع أنس بدأ يهدى…
جسمه يهدا شوية…
رغم رجفة بسيطة لسه ماشية على ضهره…
ومهند لسه قاعد مسنده....
ومش ناوي يسيبه يقع تاني.....
........