---
الفصل العشرون: المطارده ٨
مهند كان لسه قاعد على الأرض…
درّاعه حوالين أنس كأنه آخر حتة أمان في الدنيا.
أنس وشّه شاحب… أنفاسه بتتقطع…
وعينه نص مفتوحة، تدّي أمل… وتاخده تاني.
حاول يرفع إيده… وبالفعل اتحركت سنتيمتر صغير…
ولما وصلت لكتف مهند لمسها بضعف، بصعوبة، بصوت متقطع قال:
"م…متسيبنيش…"
هو راجع يا مهند......
الكلمة كسرت حاجة جوا مهند.
دموعه نزلت من غير ما يحس… نزلت بسرعة…
نزلت كأن صدره اتفتح.
"أنا معاك… والله ما هسيبك… والله ما هسيبك يا أنس…"
صوت مهند كان مهزوز…
بس حضنه كان ثابت…
أقوى من الخوف…
وأقوى من الظلام اللي كان بيخبط حوالين الجدران.
لكن فجــأة…
نَفَس أنس اتسحب.
مش نفس طبيعي—
دا كان زي شهقة حد بيغرق، حد الهواء بيفلت من بين ضلوعه.
عينه اتسعت…
جسمه اتشنج لحظة…
ووشّه لف للنحية التانية…
ومهند صرخ: "أنــــــــــس!!"
مسك وشّه…
حاول يفتّح عينه…
يفوّقه…
يشيله…
يحرّكه…
بس جسم أنس بقى تقيل…
تقيل مرّة تانية…
زي اللحظة اللي قبل ما الظل يدخل فيه.
مهند حاول يتماسك: "ركز معايا… اسمعني… إن شاء الله هتقوم… هتقوم…"
أنس رمش…
رمشة ضعيفة…
وبعدين قال بصوت واطي… مبحوح… متقطع:
"مش… قادر… جوا… صدري… تقيل…"
مهند قرب ودنه…
سماع حاجة.
فيه صوت.
مش دقّات قلب.
مش تنفّس.
صوت…
زي حد بيخربش جوّا.
اتجمد.
حس عرق بارد على رقبته.
"أنس… في إيه؟"
أنس فَتح عينه بالعافية…
وبص لمهند مباشرة…
نظرة فيها خوف… وكأن حد ماسك روحه.
قال بصوت مرتجف: "لسّه… جوّا… ما خرجش…"
ومهند لأول مرة…
حس قلبه وقع بمعنى الكلمة.
"لا… لا… إزاي؟ مافيش… مافيش دخان ولا سواد… أنا شوفت… هو خرج…"
أنس هز راسه ببطء: "نصّه… بس…"
الممر برا الأوضة بقى هادي…
هدوء يخوّف.
زي ما المكان كله بياخد نَفَس…
…ومستني.
نَفَس مهند اتقطع.
مسك أنس من وراه، سنده، قربه منه… وحس ظهره بيرتعش تحت إيده.
"بُصلي… بُصلي يا أنس… ما تبصش لأي حاجة تانية… ركّز معايا."
هنخرجه من جسمك.... استحمل...
أنس حاول…
بس بص في الهوى.
عينه بتتبع حاجة مش موجودة.
"هو… بينادي…"
"ما تردّش!!"
مهند صرخها من غير ما يقصد.
"ما تردّش عليه مهما قال… اسمعني أنا… أنا وبس."
بس أنس…
ابتسم ابتسامة صغيرة…
ابتسامة مش طبيعية.
مش بتاعته.
وشّه اتغير ثانية…
كأنه حد تاني بيحاول ياخد مكانه.
مهند قرب أكتر: "أنس!! ركّز معايا!!"
وبعدين…
لحظة سكون شديدة.
ولا نفس.
ولا حركة.
و…
ببطء…
ببطء قاتل…
إيد أنس اتحركت.
لكن المرة دي…
مش ناحية مهند.
إيده نزلت على الأرض…
كأنها بتتأكد من وجوده…
وبعدين… اتقفلت.
وشّه اتشد.
وصوت خرج من حلقه…
مش صرخة كاملة…
مش صوت بشري.
زي حد بيقطع حد جواه.
مهند اتسمر.
قربه من صدره بالعافية…
يده ماسكة ضهره…
وصوته بيتقطع:
"أنا معاك… معاك… ما تخافش…"
أنس عضّ على شفايفه…
وكتم صرخة تانية…
وجسمه اتقوس…
اتلوى…
وبعدين وقع تاني.
مهند حضنه بسرعة…
قربه، قفل عليه بإيده، مسك راسه، مسك ضهره:
"خلاص… خلاص… أنا هنا… اسمعني… مفيش حاجة هتاخدك…"
فوق ......فوق يا صاحبي بالله عليك........
أنس همس بحروف مش واضحة: "برد… برد قوي…"
"هخرجك… هخرجك دلوقتي…"
لكن قبل ما مهند يكمل الجملة—
النور في الممر برا…
ولّع.
…وبعدين طفى.
…ولّع.
وأول ما ولّع…
مهند شاف حاجة واقفة بعيد.
مش واضح.
مش كامل.
بس…
بتبص عليهم.
مهند اتنفس بصعوبة…
شد أنس أكتر، كأن حضنه هو السلاح الوحيد اللي عنده.
وقال بصوت ثابت… رغم رجفة إيده:
"لو جاي… تعالى ليا.
بس سيبه."
النور طفى تاني.
الصمت وقع عليهم زي حجر.
أنس كان لسه على صدره…
نَفَسه بيطلع ويتسحب…
وعينه بتتقفل ببطء…
ومهند قال بصوت مكسور:
هنطلع من هنا.... استحمل....
"متسبنيش انت…"........
قال مهند بصوت مكسور:
"متسينيش انت و… الحياة."
الكلمة الأخيرة خرجت منه وكأنها وقعت من على حدّ سكينة…
مش صوت حد بيشتكي، لا…
صوت حد كان بيمسك نفسه بالعافية عشان ماينهارش.
أنس حسّ إن الهوا اتقل حواليه.
ما قرّبش… وما بعدش.
فضل في نفس المسافة اللي بينهم… المسافة اللي بقت أمان لمهند.
بصّ له وقال بهدوء:
"أنا؟… آخر واحد هيسيبك يا مهند."
مهند ضحك ضحكة صغيرة… نصها وجع، ونصها تصديق غصب عنه.
مسح عينيه بكفّ إيده وهو يقول:
"أنا بس… خفت. كل حاجة حواليّ بتروح… حتى نفسي ساعات بحسها بتفلت مني."
أنس ميل براسه شوية، مش عشان يشوفه أحسن…
عشان يسمعه أحسن.
وقال بنبرة دافية:
هنخرج يا مهند.......البتاع دا مش اقوي مننا......
المكان سكت.
بس السكوت المرة دي كان أهدى…
زي اللي بيقول “اتكلم… أنا سامع”.
مهند خد نفس عميق…
وبص لأنس نظرة طويلة.......كانها حكت كل حاجه......
━━━━━━━━━━━━━━