━━━━━━━━━━━━━━

✦ الفصل الواحد والعشرون: المطارده ٩

الهوا فوق السطح كان تقيل…

مش بسبب البرد…

لأ… بسبب "وجود" اللي بيطاردهم.

مهند كان لسه ماسك أنس جامد…

صدره بيطلع وينزل بسرعة… مش عشان خايف…

عشان عقله كان بيجري أسرع من أي خطوة ممكن ياخدها.

النور تحت… نور الممر…

ولّع ثانـــي.

ونطّف.

ولّع.

ونطّف.

لكن المرّة دي…

كان أسرع.

أقرب.

كأنه بيقول:

انزل… لو تقدر.

مهند بص للباب اللي بينزل للسلم.

كانت فتحة السلم سودة…

سواد نضيف…

مفيهوش أي لمعة…

كأنها معدّة تبلع أول واحد يقرب.

مسح على شعر أنس بسرعة وهو يقول بصوت واطي:

"أنا هشيّلك… ومش هبص ورايا… ومش هنقف. تمام؟"

استحمل...لازم ننزل ونخرج من هنا.....

أنس ما ردّش.

عينه مغمضة…

بس صوابعه اتحركت حركة صغيرة…

أقرب لاعتراف إنه "سامع".

مهند شاله من تحت دراعه…

مش قادر يشيله بالكامل…

فعمل اللي بيعرف يعمله أحسن:

سنده على كتفه…

كأنه بيشيل نصّ نفسه.

خطوة.

وخطوة.

صوت حديد بعيد خبط.

مش من السطح.

من جوّا العمارة.

زي باب بيتفتح… وبعدين يتقفل لوحده.

مهند ابتلع ريقه…

جمد ايده على دراع أنس بعفوية وهو يقول:

"ركّز معايا… مش هقع بيك… ما تخافش."

النور بتاع الممر ولّع.

المرة دي…

بشكل ثابت.

كأنه مستنيهم.

مهند قرّب لباب السطح…

وقبل ما ينزل…

شاف ظل واقف تحت…

مش واضح…

مش جسم كامل…

بس حد عامل زي حد واقف بالإتجاه المعاكس…

وبيستناهم.

مهند حس الدم يجري في ودنه.

قرب أنس من صدره أكتر وقال بصوت خافت:

"إحنا مش هننزل من هنا… خلاص… الطريق دا مقفول."

رجع خطوة لورا.

اتنين.

بص حوالين السطح…

يدوّر على أي مخرج…

أي سلم…

أي حاجة.

لكن السطح كان مقفول بسور، وباب واحد.

وقتها…

سمع صوت…

مش عالي…

مش مفهوم…

زي حد بيهمس جوّا ودنه…

وهو مش واقف جنبه أساسًا.

"سلمه احسن...

مهند اتجمد.

بص لأنس بسرعة:

"سمعت؟"

أنس ما اتحركش…

لكن نفسُه اتسارع…

وكأن جسمه ردّ بدل ما لسانه ينطق.

مهند خده وجريوا بعيد عن باب السطح…

لحد ما وصل للناحية التانية عند خزان المية.

وهناك…

شاف باب صغير… قديم…

باب حديد مش باين من الطراب والصدأ.

باب هو عمره ما شافه.

ولا حد من السكان عارف أصلاً إنه موجود.

قرب منه…

مسك المقبض…

ولما لمسه…

النور في المبنى كله طفى.

المدينة كلها اتسدت…

مجرد ثانية…

ثانية بس.

ولما النور ولّع تاني…

المقبض لفّ لوحده.

الباب اتفتح…

ومهند قال لنفسه من غير صوت:

“هروب… مش اختيار دلوقتي.”

دخل…

وسحب أنس معاه…

وقفل الباب وراهم قبل ما يفكر.

الهوى جوّا كان ريحته تراب وقدَم…

زي أوضة ما اتفتحتش من عشرين سنة.

ومهند همس:

"لو المكان دا فخ… يبقى أحسن من اللي برا."

صوت خطوات…

برا الباب.

حد… أو حاجة…

بتقرّب.

مهند لسّه ماسك أنس من وسطه…

وعينه بتتعود على الضلمة…

وفجأة شاف سلم داخلي…

قديم…

رايح لتحت…

لتحت قوي.

وهنا…

أنس لأول مرة نطق…

بصوت مبحوح… ضعيف… بس حاضر:

"م…مهند…"

مهند شهق:

"أنا هنا! أنا هنا… قولي!"

أنس بصعوبة قال كلمة واحدة:

"انزل…"

ومهند…

من غير ما يسأل…

من غير ما يفكّر…

نزل.

━━━━━━━━━━━

نزل…

أول درجة كانت مهزوزة…

مش من الصدأ…

من حاجة تانية.

كأن الأرض نفسها مش مستريحة لوجودهم.

السلم كان ضيق…

وضلمة من النوع اللي يدوّخ…

وجسم أنس على كتف مهند بدأ يتقل أكتر…

كأن أي خطوة غلط ممكن توقعه من فوق السلم.

مهند قال وهو يضبط إيده حوالين وسطه:

"استحمل… أنا ماسكك… مش هسيبك."

أنس ما ردش،كالعاده.. بس صدره اتحرك حركة صغيرة…

زي موافقة صامتة.

كل ما ينزل درجة…

الهوا يتغيّر.

يبقى أتقل…

أبرد…

وأهدى بشكل يخوّف.

الخطوات اللي كانت برا الباب؟

اختفت.

ودي أول حاجة خلت مهند يشك إنهم فعلاً هربوا.

بس…

الهدوء اللي نزلوا فيه ماكانش هدوء نجاة.

كان هدوء ترقّب.

وصوت بسيط… بسيط لدرجة كانت ممكن تبقى خيال…

جه من تحت السلم

زي "هسسسسس" حد بيتنفس في ضهرهم.

مهند وقف لحظة.

لف ورا…

بس الضلمة كانت سودة… مش بتقول أي حاجة.

"متهلعش… متهلعش…"

قالها لنفسه أكتر ما قالها لأنس.

نزل كم درجة كمان.

وبعدين…

لقَى نفسه في ممر ضيق…

سقف واطي…

حيطان عليها آثار قديمة…

زي خطوط مكتوبة بإيد مش ثابتة.

مش حروف…

أكتر شبه جروح.

أنس اتحرك فجأة.

مش حركة كبيرة…

بس كتفه ارتعش، ويده لمست صدر مهند كأنه بيدوّر على توازن.

مهند قرب منه وقال بصوت واطي لكنه ثابت:

"قولّي… أنت سامع حاجة؟"

أنس همس… صوته مكسور…

لكن الكلمة خرجت واضحة:

"تحت…"

الكلمة دي نزلت في ودن مهند زي حجر.

بص للممر اللي قدامه…

وبعدين للسلم اللي لسه فوق…

وبعدين لأنس.

"طب خلاص… نروح تحت."

شد أنس عليه وبدأ يمشي…

خطوته بطيئة…

بس ثابتة.

مهند كان كل خطوة بيسمع صوت قلبه هو قبل أي حاجة تانية.

وهو ماشي…

بدأ يسمع صوت تاني…

نقـــر.

مش نقير حشرة.

ولا حد بيخبط في الحيطة.

نقر…

مندمج مع النفس البعيد اللي كان سامعه من شوية.

ومع كل نقر…

أنس نفسُه يكتم…

كأن الصوت بيقرب من جوّا صدره.

مهند قرب دماغه من ودنه وقال:

"قولّي أول ما تحس بحاجة… ما تسكتش."

أنس رفع جفن واحد بالعافية…

وهمس:

"حاسس."

"حاسس بإيه؟"

رد بصوت أعمق… أضعف… كأنه جاي من مكان تاني:

"إننا… مش لوحدنا."

مهند وقف.

الممر قدامه كان مفتوح على مكان واسع…

زي بدروم كبير…

فاضي…

بس ريحته قديمة… وتحت الجدران فيه علامات…

كانت واضحة أكتر في النور الضعيف الجاي من لمبة واحدة في السقف… لمبة تهتز كأنها هتقع.

مهند دخل…

واللمبة ولّعت مرة…

وطفِت مرة…

وبعدين ولّعت على منظر…

خلّى الدم في جسمه كله يقف.

في نص البدروم…

كان في شيء…

واقف…

مش ظاهر كله…

بس شكله زي شخص…

واقف بس مش واقف.

ضلّه مش ثابت.

جسمه مش لامس الأرض.

وعينه – لو كانت عين – كانت مرفوعة ناحيتهم.

مهند خد نفس قوي…

ومسَك أنس جامد وقال:

"ارجع… ارجع… ارجع…"

بس قبل ما يرجع خطوة…

الشيء دا…

اتحرّك.

مش برجليه.

كأنه اتسحب سحبة واحدة…

نفسه واحد…

وبقى أقرب بمتر.

مهند صرخ همس كأنه بيخاف صوته يسمّع:

"أنس!!"

أنس فتح عينه فجأة أكتر من اللي المفروض يقدَر…

جسمه اتشنج لحظة…

وبعدين قال بصوت مش صوته:

"إجري."

ومهند

من غير ما يفكر…

من غير ما يلتفت…

جرى.

شد أنس وراه…

صوته بيخبط في صدره…

وخطوات الحاجة وراهم ملهاش صوت…

لكن وجودها كان بيطاردهم زي ظل بارد ماسك في ضهرهم.

كان بيجري وهو يكرر:

"أنا معاك… أنا معاك…"

وأنس…

كان بيهمس وهو بيتنفس قطع:

"ما… توقفش…"

━━━━━━━━━━━━━━

مهند لقي سلم بينزل لتحت......

نزل أول درجة…

وبعدين التانية…

والسلم تحت رجليه كان بيزيّق، كأنه معترض… كأنه بيقوله: ارجع فوق… ارجع فوق قبل ما تتقفل.

يده كانت ماسكة أنس من وسطه جامد… قلبه بينبض على كتفه.

الهوى تحت كان أبرد…

مش برد الطبيعي…

برد يقرّص جلدك… يخليك تحس إنك داخل مكان ما يحبش حد يعيش فيه.

أنس اتنفس بصعوبة، لكن صوته وطيء… سامع… موجود.

مهند قرب من ودنه وقال بسرعة وهو بينزل:

"استحمل شويّة… خلاص… خلاص قربنا ننزل…"

مع كل درجة…

الظلمة كانت بتزداد.

كانت بتسحب نور الممر اللي فوق، لحد ما اختفى…

وكأنه ولا كان موجود.

ومع آخر درجة…

رجليه لمست أرض مش أرض.

مش بلاط…

ولا خشب…

أرض طرية… فيها تراب ناعم… وكأنها أقدم من العمارة نفسها.

رفع راسه…

ولقى نفسه في ممر ضيق… سقفه واطي…

ريحة تراب قديم… وريحه قدَم بشر… ممزوجين ببعض.

مسك أنس أكتر وسنده على الحيطة.

"أنس… سامعني؟"

أنس ما فتحش عينه…

بس قال، نفس الكلمة… نفس الهمس اللي رجّف ضهر مهند:

"كمل…"

مهند حسّ حاجة جوّاه تتربط…

مش خوف…

حاجة أعمق…

زي ما يكون أنس فاهم الطريق… فاكره… أو سامع حاجة هو مش سامعها.

مش وقته.

ممنوع يفكر.

بس يمشي.

مشى قدّام…

رغم إن الممر كان ضيق لدرجة إنه كان بيخبط كتف أنس في الحيطة.

كان ماشي بسرعة… مشي حد لو وقف هيموت.

فجــــأة…

وراه…

باب السطح اللي فوق…

خبط.

مش خبط طبيعي.

خبط حد بيجرب المفتاح…

وبيدوّر المقبض.

ومهند اتجمد.

وبعدين…

صوت المقبض لفّ.

لفّ…

ولفّ.

ولفّ.

والباب فوق بدأ يتفتح.

مهند بصّ لفوق…

ولا شاف حاجة.

بس سمع.

خطوات.

نزلة.

على السلم اللي هما لسه كانوا عليه.

صوت الجرَسّة الحديد…

صوت السلم بيئن…

"جاي."

مهند حس دماغه بتسخن…

سحب أنس بسرعة…

ودخل فتحة جانبية في الجدار ما كانش واخد باله منها.

مد إيده يتحسس…

لقى باب مكسور… شبه مخزن.

دخل جواه…

وسحب أنس…

وقفل الباب نص قفلة…

من غير صوت.

حط إيده على بقه…

وإيده التانية بتسند أنس على صدره…

وسمع.

الخطوات نزلت للآخر.

وقفت تحت.

واقف… ساكت…

بيشمّ الهوا تقريبًا.

مهند ما كانش قادر يتنفس…

قلبه كان بيدق في ضهر أنس لدرجة إنه حسّه.

وأنس… رغم إنه شبه غايب…

إيده مسكت طرف بلوزة مهند…

وكإنه بيقوله

“أنا سامع… ما تسيبش.”

الخطوات اتحركت.

بطّيء.

بطّيء جدًا.

راحت ناحية الممر اللي هما كانوا فيه.

ييييجــــي بعدها صوت…

حاجة بتزحف.

مش خطوات.

جرّ.

نسمة هوا تتحرك معاه.

مهند حس إيده بتعرق…

بس ما حرّكش إصباع واحد…

لحد ما الصوت بدأ يبعد…

يبعد…

يبعد…

لحد ما اختفى.

مهند خرج نفس ما كانش واخده من دقيقة دي:

"الحمدلله…"

لكن قبل ما يكمل الجملة…

أنس فتح عينه نص فتحة…

وبص له…

نظرة مش كاملة… لكن واعية.

وقال بهمس مكسور:

"لسه… ما خلصش."

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

........

2025/11/27 · 2 مشاهدة · 1411 كلمة
reven
نادي الروايات - 2026