━━━━━━━━━━━━━━
الفصل الثالث والعشرون: مطارده ١١
━━━━━━━━━━━━━━
الممر كان ضيق… والحيطان قريبة منهم لدرجة إن أنفاسهم كانت بترجع عليهم تاني.
السلم تحت رجليهم كان بيوجع… كل درجة صوتها عالي كأنهم بيوقّظوا المكان.
مهند ماسك أنس من تحت كتفه…
مش شايله، بيجرّه…
وكل خطوة كانت بتاكل من روحه حتة.
المكان كان عامل زي عمارة مهجورة ....…
أبواب مقفولة…
وروايح قديمة…
وصمت يخوّف.
هما بيعدّوا على باب…
بابين…
تلاتة…
والهواء كل شوية يبرد فجأة كأن حد بيعدّي معاهم من غير ما يشوفوه.
مهند همس لنفسه بس سامعاه الجدران:
"لسه… لسه مخرج… لازم يكون فيه."
أنس كان ساكت…
ساكت بطريقة تخوّف.
صوته رايح… خطواته بتتزحلق…
وعينه مش مثبتة في أي حاجة.
وبعدين…
قبل ما مهند ينزل آخر تلات درجات…
سمع صوت النفس.
مش نفس أنس.
نَفَس كبير… بطيء…
زي حد واقف تحت مستنيهم.
مهند وقف في مكانه.
رجله اتشنجت…
وإيده شدّت على دراع أنس أكتر.
"مش هنرجع… هنكمل لتحت."
ونزل.
وصلوا لممر جديد…
أوسع شوية…
فيه ٦ أبواب… ٣ يمين و٣ شمال.
كل باب شكله قديم، خشب مقشّر، كأنه لسان بيقول: “جرب وافتحني… لو جرؤت.”
مهند اختار أول باب…
مقفول.
التاني…
مقفول.
التالت…
مقف—
لا.
المقبض لفّ.
الباب فتح على أوضة كبيرة…
فيها سرير قديم…
وتراب…
وشباك مقفول بخشب…
ومن كتر السواد مش باين إذا فيه ضوء برّه ولا لأ.
مهند دخل بسرعة:
"هنا… هنا نرتاح دقيقة."
لسه بيكمل الكلمة…
أنس فجأة اتقل.
جسمه وقع لتحت زي حجر.
سابه من غير إرادة.
مهند حاول يشيله…
لكن إيده اتفلتت…
وأنس وقع على الأرض.
مهند ركع جنبه بسرعة:
"أنس!! اسمعني… أنس!!"
مافيش رد.
نَفَسه…
مش موجود.
مفيش هوا داخل…
ولا خارج.
مهند حس قلبه هو اللي اتقطع المرة دي.
مسك وشّ أنس بإيدين بيرتعشوا:
"بس… بس بالله عليك… افتح عينك… ردّ عليّ…"
مافيش.
مهند قرب ودنه لصدره…
مفيش ولا حركة.
ولا حتى النفس اللي بيمشي بالعافية.
"لااا… لا بلاش دلوقتي… مش دلوقتي يا أخي…"
بدأ يفوّقه…
يحركه…
يضغط على صدره…
يحاول يرجّع النفس بأي طريقة.
بعد خمس ثواني…
وخمسة كأنهم خمس سنين…
شهقة صغيرة…
ضعيفة…
رجعت.
صدر أنس اتحرك حركة بسيطة.
مش كفاية… بس حياة.
رسمياً… اللحظة دي غيرت مهند.
حط إيده على خد أنس…
وقال بصوت واطي… مشترك بين ذعر وراحة:
"ليه دايمًا بتوقع قلبي كدا… ليه؟"
أنس فتح عينه نص فتحة…
وشفايفه اتحركت…
كلمة واحدة خرجت بصعوبة:
"كمّل…"
مهند قال:
"مش هسيبك تاني… مش هقف… هنخرج سوا."
سنده…
رفعه بالعافية…
وخرجوا من الأوضة.
الممر برا…
كان مختلف.
النور اللي فوقهم…
بقى أبيض قوي…
أقوى من الطبيعي…
كأنه من غير مصدر.
والأبواب اللي كانت مقفولة…
بقوا مفتوحين.
كل باب… فاتح على ضلمة.
ضلمة مش عادية.
ضلمة “ناشفة”…
بتسحب العين.
مهند قرب أنس ليه، وقال بصوت ثابت…
ثابت رغم إن قلبه بيخبط:
"امسك فيا… مهما حصل."
وابتدوا يمشوا…
وجسم أنس بيسحب يمين… وشمال…
كأنه حد بيشدو من جوّا الغرف المفتوحة.
مهند يشده كل مرة.
مرة بقوة.
مرة بدموع.
بس يشده.
ولما وصلوا لنهاية الممر…
شافوا السلم الأخير.
السلم اللي بيطلع فوق…
مش لتحت.
السلم اللي شكله…
مخرج.
بص حواليه مفيش اي سلم تاني....
مهند: "هنا، خلاص… آخر طلعة."
خطوة…
خطوتين…
تلاتة…
وفجأة—
وراههم باب اتقفل جامد.
مهند مبصش.
ولا لفة.
ولا حتى ثانية.
شد أنس وقال بنبرة ميتة:
"اجري."
━━━━━━━━━━━━━━
....