الفصل الثامن والعشرون: مطارده ١٥
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الهوا برا المبنى ماكانش هوا طبيعي.
كان دافي… زيادة عن اللزوم.
زي نفس حد واقف وراهم…
حد ماخرج معاهم.
مهند أول ما رجله لمست الأرض…
اتأكد إن عضلاته هتوقعه.
بس مسك أنس أقوى… كأنه بيتشبّث بآخر حاجة فالدنيا.
أنس كان لسه نَفَسه مش ثابت…
بس عينه مفتوحة نص فتحة…
وعمال يبص حوالين المبنى…
مش بعينه بس.
لا…
بخوفه.
مهند قال بصوت منخفض، متقطع:
"أنس… اسمعني… إحنا برا… خلاص… محدّش—"
أنس قطع كلامه بوشوشة خشنة:
"لأ… هو خرج…"
مهند اتجمد.
حرفيًا.
الكلمة ضربت في ودنه زي حجر بيقع في بير.
"إيه اللي خرج؟"
أنس ما ردش.
عينيه بس… بتزوّغ يمين وشمال…
لحد ما استقرت على شباك عالي في المبنى اللي خرجوا منه.
الشباك كان ضلمة…
بس الضلمة كانت مركّزة أكتر من الطبيعي…
زي وجود… بيتشكل.
مهند شدّه وقال بسرعة:
"امشــي… دلوقتي."
خرجوا بره باب المبنى، خطوطهم مش ثابتة.
الأرض كانت كلها تراب ناشف…
وحواليهم مباني قديمة، شبابيك مكسورة…
كأنهم خرجوا من مكان اتنسى من الزمن.
أنس وقف فجأة.
مش بجسمه…
بروحه.
مهند دار له بسرعة:
"في إيه؟"
أنس رفع صباعه…
وأشار للباب اللي خرجوا منه.
الباب…
كان بيتهز.
ثانية…
اتنين…
وبعدين سَكَن.
مهند قال لنفسه:
"ما تفتحش… ما تقربش…"
لكن فجــــأة…
الهوى حوالين الباب اتغيّر.
التراب اتشقلب في الهوا.
وكأن ريح ورا الباب…
بتتنفّس.
مهند زقّ أنس ناحية سور منخفض:
"انزل… انزل بسرعة."
أنس نزل وهو لسه تعبان، رجليه بتتلخبط.
مهند نزل وراه…
وفي اللحظة دي—
الباب اتضرب من جوّا.
ضربة واحدة.
قوية.
عملت رجة في السور اللي هما واقفين عليه.
مهند جرّ أنس وقال:
"نمشي. ما تبصش. أمشي ورايا."
أنس بصوت واطي:
"أنا… سامعه."
"سامع إيه؟"
"خطواته…
ورايا."
مهند لف بسرعة…
مفيش حد.
بس…
صوت خطوات…
بيمشي على التراب.
خطوات مفيهاش وزن.
ولا أثر.
لكن موجودة.
تُك… تُك…
تُك… تُك…
ماشية وراهم…
بنفس سرعتهم.
مهند قرّب من أنس ولف إيده حواليه وقال:
"إمسكني… إوعي تفلت…"
ومشي بيه بسرعة.
الممر اللي قدامهم كان طويل…
طويل قوي…
وملوش نهاية واضحة.
بس لازم يمشوا.
لازم يبعدوا.
بعد خمس دقايق مشي…
الخطوات لسه وراهم.
مش بتقرب…
ومش بتبعد.
أنس وقف مرة واحدة… ووشه اتقلب وشبه بيض:
"مهند…"
"نعم؟"
"الصوت…
مش جاي من ورا…
جاي من… جوايا."
مهند حسّ بدمه يتجمّد.
مسك كتف أنس بقوة:
"مستحيل. أنت لسه تعبان. ركّز معايا…"
لكن قبل ما يكمل…
قُطِع النور اللي فوقهم.
كأن حد نفخ فيه.
الشارع بقى ضلمة كاملة.
الخطوات…
اتوقفت.
وبعدين…
“أَنَـــــسْ.”
الصوت جه…
من جوا صدره.
مش من ودنه.
أنس اتنفض.
مهند مسكه بإيديه الاتنين:
"بُصّلي… بُصّلي بس…"
أنس حاول.
لكن الضلمة كانت بتتحرك وراهم…
بتقرب.
بتتفرد.
بتتمد.
مهند زقّه ناحيته وقال:
"لو هتدخل جواه… مش هسيبك.
ولا لحظة."
ولأول مرة…
الظل نفسه…
ظهر.
مش وراهم.
ولا قدامهم.
ظهر من تحت رجلي أنس…
زي دخان بيسحب نفسه لفوق…
وبيتجمع.
ومهند…
اتقدم خطوة واحدة قدامه.
ونطق:
"جرب تمسّه."
الصوت اللي جه بعدها…
ماكانش صوت ريح…
ولا خطوات…
ولا ضلمة.
كان…
ضحكة.
ضحكة قصيرة…
واضحة…
من غير فم.
والأرض حوالين رجليهم…
بدأت تهتز.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
.....