الفصل التاسع والعشرون: مطارده ١٦

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

الهوا برا المبنى كان مختلف.

هادي… ثابت… هدوء يخوّف أكتر ما يطمن.

ومهند واقف وسط الساحة الترابية، ماسك أنس من تحت دراعه، بيحاول يثبّت رجليه اللي لسه مش ثابتة.

أنس كان لسه بينهج… صدره يطلع وينزل كأنه بيحارب الهوا نفسه.

عرق بارد على جبينه، وعينه مش مركّزة…

مش أنس اللي مهند يعرفه.

مهند قال بصوت واطي، وهو بيقرب وشّه من ودنه:

"بصلي يا أنس… قولّي سامعني."

أنس رمش… مرتين…

وبعدين الحركة اتبطأت.

كأنه بيفتح عينه على نور قوي مش شايفه من زمان.

"أنا… سامع…"

صوته كان مشروخ… عامل زي ورق اتغمّس في ميّه ونشف.

مهند شدّه أكتر وقال بقلق بيبوّظ صوته:

"تمام… نتحرّك. لازم نخرج من المنطقة دي خالص."

بس أول خطوة مشيها…

الأرض تحتهم هزّت هزة خفيفة.

مش زلزال… لأ.

هزة زي نبضة… نبضة كبيرة… جاية من المبنى اللي وراهم.

أنس وقف مكانه، وتجمّد.

وشه اتغير.

عينيه اتسّعت.

"هو… خرج."

مهند بلع ريقه.

ما حبش يسأل "مين".

ما حبش حتى يتأكد.

بس الهوا حوالينهم اتقل فجأة…

حرارة الجو اتبدلت لـ برد جاف يخشّ في الجلد.

"يلا يا أنس… بسرعة."

مشوا.

خطوة… خطوتين…

لكن مهند حاسس بظهره بيولّع…

مش نار…

إحساس… حد واقف وراهم.

مش واقف.

ماشي.

وماشي على إيقاع خطواتهم.

مهند ما اتلفتش.

حلف لنفسه ما يبصش وراه مهما حصل.

"مهند…"

صوت أنس كان أضعف من إنه ينقال بصوت.

كأنه خارج من قلبه مش من حلقه.

"هو… بيتحرّك معانا…"

مهند زِقّه قدّامه وقال بعصبية فيها خوف متغطي:

"امشي… امشـــي!"

ووصلوا لأول سور صغير حوالين المدرسة.

سور مالوش باب… مكسور من ناحية.

بس قبل ما يوصلوا للفتحة…

أنس وقف.

رجليه غرقت في الأرض.

مش طين.

مش حفرة.

إحساس… شدّ.

مهند شدّ إيده:

"يلااااا يا أنس!!"

أنس همس:

"مش أنا… ده… ماسكني."

ومرة واحدة—

الهوا وراهم اتحوّل لصوت "سحب".

زي شهيق…

حد بياخد نفس كبير…

بس النفس ده بيسحب معاه الروح مش الهوا.

مهند جمد.

إيده بردت.

قلبه وقع.

وبعدها…

شعر أنس اتحرك.

مش بفعل الهوا.

بفعل حاجة… بتقف وراه.

مهند صرخ:

"سِيبـــه!"

وشدّه بكل قوته…

شدّة خلّت كتف أنس يتزق لقدّام وتوازن مهند يضيع.

لكن في اللحظة دي…

الشيء اللي ماسك أنس… فَلَت.

كأنه حد ضربه بيد غصب.

أنس وقع لقدّام على ركبته.

مهند وقع جنبه.

والهوا…

سكت.

سكت سكوت يخوّف.

مهند بص حواليه…

يدور…

يدور بعيونه قبل راسه…

مفيــــش.

ولا ظل.

ولا نفس.

ولا حتى إحساس.

أنس تنفّس بعمق، وبص لمهند وقال بصوت مش ثابت:

"هو… ماختفاش.

هو… سابني… وراك."

مهند شعر بدقه واحدة…

واحدة بس…

نزلت في ضهره زي سكينة.

ببطء…

بطء قاتل…

اتلفت.

ولمَّا اتلفت—

ما شافش حد.

لكن…

شعر بنفس حد بارد…

قريب قوي…

قوي…

لدرجة إنه حس إن في ودنه كلمة اتقالت بالراحة:

"لِسّه."

مهند اتشنّج.

وقف فورًا.

مسك أنس:

"نمشي. دلوقتي. نروح لأي مكان فيه ناس."

وهم بيجروا بعيد…

المبنى اللي خرجوا منه…

صوت بابه العلوي اتفتح.

وبعدين اتقفل.

وبعدين..

ضحك.

ضحكة قصيرة.

نفس واحد.

بس كفاية تهدّ جبل.

ومهند قال لنفسه:

"الحكاية… لسه ما ابتدتش."

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

.......

2025/11/30 · 3 مشاهدة · 471 كلمة
reven
نادي الروايات - 2026