الفصل الثلاثون: مواجهه ١
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الهوا برا ماكانش هوا نجاة.
كان برد… جامد… ثابت… كأن الشارع نفسه واقف يتفرّج على اللي بيحصل.
مهند ماسك أنس من تحت دراعه، يشيله خطوة… ويسنده خطوة…
وأنس طول الوقت راسه ميلة، وعينه نص مفتوحة…
جسمه ما بقاش على بعضه.
النَفَس… بيتقطع.
المبنى وراهم ساكت.
ساكت بس… مش مختفي.
مهند حاسس بيه… زي عين مفتوحة في قفاه.
مشي… ومشي…
الشارع فاضي.
المحلات مقفولة.
الأنوار ضعيفة… زي اللي بينّوروا بس عشان ما يتقفلش المحل بالغلط.
مهند يتمتم:
"لازم نلاقي حد… أي حد…"
أنس يردّ بوش مش قادر يتحرك:
"م…مش… شايف…"
مهند يشدّه أكتر:
"ما تبصش… ما تفكّرش… بس امشي معايا."
خطوتين…
تلاتة…
وفجــــــأة…
الهوا من وراهم اتغيّر.
مش برد المرّة دي…
هوا تقيل.
تقيل لدرجة إن مهند حس كأن الشارع اتسحب شهيقه.
مهند وقف…
من غير ما يلفّ…
من غير ما يعمل حركة زيادة.
وأنس…
من غير ما يفتح عين…
جسمه اتشنّج فجأة.
"م…هند…"
بصوت ضعيف قوي… بس مهند سمع الرعشة اللي فيه.
مهند بيمسكه من كتفه:
"بص لي… مش وراه… ليا أنا."
لكن…
الظلّ ظهر.
من بعيد… في نص الشارع…
واقـف.
طويل.
أطول من أي بني آدم.
مفيهوش ملامح.
بس المرّة دي…
كان بيتحرّك.
مش الخطوات الهادية اللي كانت في السلالم…
لأ.
جسمه بيتفلّت…
زي دخان بيحاول يبقى إنسان…
وبيفشل…
وبيحاول تاني.
مهند حس صوت في دماغه… مش في ودنه:
صوت مش صوت…
"سِـــلِّمه."
مهند شدّ أنس في حضنه:
"مش هسلّمه… فاهم؟"
الظل وقف.
وبعدين…
انقسم.
أيوة…
انقسم… نصين.
اتنين واقفين… نفس الطول… نفس الشكل…
نفس العدم.
مهند وراه حيط…
وقدامه الاتنين…
وأنس بين إيده بيموت.
مهند قال بصوت هايج:
"انس… فوق… فوق بالله عليك."
أنس فتح عينه غصب…
طرف بس…
واللون اللي فيها ما كانش طبيعي.
كان فاتح قوي…
زي حد شاف حاجة جواه بتتسحب.
مهند حسها.
حس إن البتاع دا… المرّة دي… مش بيشدّ جسده…
بيشدّ جواه.
ظلّ منهم اتقدّم خطوة.
الأرض تهزّت.
الهوى اتحرّك ببطء… زي موجة.
مهند صرخ:
"ابعد!!!!"
وصوت الصرخة اتكسّر في الشارع.
ولا حد سمع.
ولا حد خرج.
الظلّ مدّ إيد…
إيد طويلة…
مش يد… حاجة شبه يد… لكن مالهاش شكل ثابت.
راح يمسك أنس.
ومهند… من غير ما يفكّر…
رفع رجله… وصدّ الإيد بقدمه.
رجله دخلت جوّا الإيد… كأنه بيركل دخان…
بس الألم ضرب جسمه كله.
وقع على ركبته…
وأنس وقع معاه.
الظلّ اتراجع خطوة…
وبعدين…
الشارع كله اتنور بعربية جاية من آخر السكة.
نور العربية قطع الظل نصين.
الاتنين وقفوا…
واتجمّدوا.
مهند استغل الثانية…
شال أنس بالعافية…
وجري نحية الرصيف.
العربية قربت…
مهند لوّح بإيده:
"اقــــــــــف!!!!"
والسواق فعلاً وقف.
باب العربية اتفتح.
راجل نازل… شكله في الأربعينات…
مستغرب… خايف… لكنه بني آدم.
قال بتوتر:
"في إيه؟! مال الولد دا؟!"
مهند كان فاقد نَفَسه:
"بس… افتح… العربية… خلّينا نركب… ارجوك…"
الراجل بص وراهم…
مفيش.
طبعا… مفيش.
الظلّين اختفوا أول ما النور لمسهم.
الراجل فتح الباب:
"اركبوا بسرعة!"
مهند دخل… سحب أنس جوّاه…
والراجل قفل الباب…
وركب…
وحرّك العربية.
مهند قاعد ماسك أنس…
كل ثانية يتأكد إنه لسه بيتنفس.
والشارع وراهم كان بيسوّد.
بيعتم…
كأن الضلمة بتهرب من النور.
الراجل قال:
"فيه إيه؟! انتو جايين منين؟!"
مهند ما ردش.
كان عينُه بس على أنس…
لكن أنس…
فتح عينه فجأة…
ببطء…
وبص على الزجاج الخلفي…
ولقى…
إن السواد…
بيجري ورا العربية.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━