الفصل الثاني والثلاثون: “ مواجهه ٣
البيت كان هادي… هدوء يشبه الهدوء اللي ييجي بعد عاصفة كسّرت شبابيك الدنيا كلها.
الراجل — اللي عرفوا إن اسمه عمران — كان واقف قدّام السرير اللي نايم عليه أنس، يراقب نفسه وهو يرجّع أنفاسه واحدة واحدة… زي حد بيحاول يثبت إن الروح لسه موجودة جواه.
مهند كان قاعد جنب السرير… إيده ماسكة يد أنس من غير ما ياخد باله… ماسكها بعصبية، بخوف، ببقايا رجفة لسه مش راضية تهدى.
الراجل قال بصوت واطي وهو بيحط كوباية مية على الترابيزة:
"هو هيفوق… جسمه مرهق بس مش هيسيبك."
مهند ما ردش… بس نفَسه جه غريق، وخرج غريق.
الراجل قعد على الكرسي الخشبي اللي في الركن، نحل جسمه وظهره الهادي ماكانوش باينين في ظلام الأوضة إلا مع ضوء اللمبة الصفراء الصغيرة.
وبصوت منخفض… سأل:
"دلوقتي… قُول. إيه اللي حصل جوا المبنى؟"
مهند مسح على وشّه… مش مسحة راجل كبير… مسحة حد كان محتاج حضن ومكان آمن ينهار فيه.
وبدأ يحكي…
مشاهد متقطّعة… لقطات من جري، سقوط، يد بتمسك، ظل بيقرب، أوض بتفتح، صوت بينادي اسم أنس، وصرخة جوّا صوته مش عارف يطلّعها.
الراجل كان سامع… مش بياخد تفاصيل… بياخد إحساس. كل كلمة مهند قالها، كانت عينه تضيق شوية… كأنه فاهم أكتر مما بيبان.
وبعد النهاية الطويلة… الراجل سأل سؤال واحد:
"والشيء… لمسكم؟"
مهند خاف..وقال:
"قرب منّا… مسك التيشيرت… وكان هيشد أنس… بس لأ، ما لمسناش مباشرة."
الراجل تنفّس براحته… كأنه كان مستني الإجابة دي بالذات.
"كويس… كويس جدًا."
مهند قرب منه خطوة:
"إنت تعرف إيه عنّه؟ ليه بيدوّر على أنس؟"
الراجل وقف… وظهره فجأة بقى تقيل… كأنه شايل معرفة مش المفروض يشيلها لوحده.
راح للدولاب… فتح درج سري… وطلع منه ملف قديم… ورق لونه مصفر، أطرافه باين عليها السنين.
حطه قدّام مهند.
وقال:
"اللي بيطاردكم مش روح… ومش جن…
ده ظل مرتبط بالبشر… نوع مش بيظهر إلا لما حد يكون…"
بص لأنس، اللي لسه نفسه بيدخل ويطلع بصعوبة.
"…مفتوح."
مهند اتكعبل بالخوف:
"مفتوح يعني إيه؟!"
الراجل:
"يعني… باب جواه. الباب ده اتفتح غصب عنه. الظل شمّه… وعاوز يدخل."
مهند سحب أنفاسه:
"يدخل؟! يدخل في أنس؟!"
الراجل:
"وده اللي هيحصل… لو ماقفلتوش الباب قبل الليلة الجاية."
الأوضة سكتت لحظات… سكون تقيل… كأنه حد سحب الهوا منها.
مهند بص لأنس، عينه اتقلّت، صوته اتكسّر:
"طب… نقفل الباب إزاي؟"
الراحل بصله بجدية محمّلة بتاريخ طويل:
"مش هنا.
في مكان واحد بس… المكان اللي الظل ما يقدرش يدخله."
مهند:
"فين؟"
الراجل:
"قدّام الجبل. في معبد قديم… الناس نسيته.
المكان اللي 'الباب' يتقفل فيه… أو يتفتح على الآخر."
مهند حس قلبه يقع في بطنه:
"وإحنا… لازم نروح دلوقتي؟"
الراجل هزّ راسه:
"لا.
لازم نستنى أنس يفوق… لأنه هو اللي هيقفِل الباب… مش أنت."
**
فجأة…
صدر أنس اتحرك حركة قوية.
نفسه اتسحب بسرعه… يده اتشبكت في هدوم مهند… وعينه فتحت نص فتحة…
وقال بكلمة متكسّرة:
"هو… هنا..."
الراجل اتلفت فورًا ناحية الشباك.
اللمبة الصفراء بدأت تضعف… تهتز… تهتز أكتر…
والنور بقى أخضر خفيف… ثم رجع أصفر.
الراجل قال بسرعة وبهدوء مرعب:
"مهند…
اقف جنب صاحِبك.
الظــل عرف مكانكم."
ومهند وقف… صدره يطلع ويهبط… عينيه بتدوّر على أي حاجة تدافع بيها…
وأنس… ما بين النوم والصحيان…
قال كلمة واحدة هزّت التلاتة:
"جـــــــاي."
━━━━━━━━━━━━━━━━━━