الفصل الخامس والثلاثون: مواجهه ٦
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الليل كان ساكن…
ساكن زيادة عن الطبيعي.
والطريق اللي الراجل أخدهم فيه كان شبه مهجور، كإنه قطعة برّه الزمن، كلها أشجار سميكة… وهوا تقيل… وهدوء يخوّف.
العربية كانت ماشية ببطء…
ومهند قاعد جنب أنس اللي نايم على كتفه، وجهه باهت… نفس خفيف… وعروق رقبته تتحرك بالعافية.
الراجل بص عليهم من المراية، وقال بصوت واطي:
"لسه… قدّام شوية ونوصل. المكان دا… هو الوحيد اللي مش بيشوفه."
مهند مسح على جبين أنس وقال:
"بس استعجل… لو سمحت."
الراجل نفخ بقلق…
مش خوف… لا.
كأن حِمل كبير فوق كَتافه من قبل ما يقابلهم حتى.
"أنا مستعجل… بس الطريق ده لازم يتاخد بالراحة. المكان ما بيستحملش السرعة."
مهند ضمّ أنس أكتر…
قرب ودنه من فمه، يسمع النفس…
نفس يدخل… ويقف… ويطلع ببطء.
مش كفاية.
مش مطمّن.
الشارع ضايق أكتر…
الأشجار بقت قريبة من العربية كأنها عايزة تخطفها، والظلمة اتقلّت لدرجة إن النور الأمامي للعربية بقى يشق الهوى بالعافية.
وفجأة…
الراجل قال:
"أمسك فيه كويس… إحنا هننزل دلوقتي."
مهند اتوتر:
"ليه؟ دا الشارع لسه—"
بس قبل ما يكمل…
العربية هزّت.
هزّة جامدة…
كأن حد دسّ على سقفها من فوق.
مهند اتجمد.
الراجل مسك الدركسيون بقوة وقال وهو يزفر:
"وصل."
صوت خَربشة…
على زجاج العربية من فوق…
من الناحية اليمين…
ومن اليسار…
صوت مش بشري.
ولا قريب للبشري.
مهند حط إيده على صدر أنس بحماية…
لكن الخربشة استمرت…
وبقت أسرع…
وأقرب.
الراجل رفع صوته:
"يا ابني… انت سامعني؟
مهند!
انزل… بسرعة!"
مهند اتلفت عليه:
"لو نزلت دلوقتي هيمسكه!"
الراجل مد إيده، مسك إيد مهند بعنف:
"هو مش هنا علشان يمسك هو… هو هنا علشان ياخد اللي جوّاه!!!"
مهند اتجمد.
جسمه سخّن فجأة…
وبص على أنس…
وبلحظة…
صدر أنس اتشنّج.
كأنه اتخبط بصدمة كهربا.
مهند اتخض:
"أنس!!!"
أنس فتح عينه نص فتحة…
لكن المرة دي…
عينه ما كانتش عينه.
السواد فيها كان أكبر…
أعمق…
مش بتاعه.
الراجل صرخ:
"افتح الباب!!! بسرعة!!!"
مهند فتح الباب برجله…
وحضن أنس كويس…
ونط برا العربية.
أول ما رجله لمست الأرض…
الخربشة وقفت.
سكتت.
الراجل نزل بسرعة من ناحيته، فتح باب بيته التاني اللي كان قدّامهم مباشرة—بيت قديم، صغير… بس نوره دافي… ومختلف عن ظلمة الشارع.
"ادخل!! ادخل حالًا!!"
مهند جري…
شايل أنس…
دخل البيت…
وأول ما خطوته عدّت الباب…
الصوت برا رجع.
زعيق.
مش صرخة…
ولا صوت حيوان…
صوت حاجة بتتسحب على الأسفلت… وبتخبط… وبتدوّر علىهم.
الراجل قفل الباب بالمفتاح بسرعة…
ومن غير ما يلتفت قال:
"حطه هنا… على السرير."
مهند حط أنس وهو خلاص مش قادر ياخد نفسه…
قلبه بيرتفع في صدره…
ويده بتترعش.
الراجل حط إيده على جبين أنس…
وفجأة…
عيونه اتسعت.
"دي مش أول مرة يحصل له كدا… صح؟"
مهند بلع ريقه:
"من… من يوم ما دخلنا المكان دا… وهو بيتسحب منه… وكل مرة بيرجع… أصعب."
الراجل قعد جنبه، قال بصوت هادي بس تقيل:
"هو مختار.
والمختار… ما بينامش بسهولة."
مهند قرب منه، صوته اتكسر:
"هيعيش؟"
الراجل بص له…
نظرة طويلة…
صعبة…
وقال:
"هيعيش… بس مش لوحده."
مهند اتوتر:
"يعني إيه؟"
الراجل مسك يد أنس…
وقال:
"المواجهة اللي جاية… لازم تتم.
ولازم فيها… يكون صاحي.
ومش بس كدا…
لازم يقف قدّامه هو."
مهند حس قلبه وقع:
"يقف؟ قدّامه؟ أنس؟ دا مش قادر يتنفس!"
الراجل قال:
"عشان كدا… هنجهّزه.
الليل دا… هو بداية المواجهة الأولى."
مهند بص ناحية أنس…
وشاف صدره بيدخل ويطلع بسرعة…
والهوا حواليه بقى تقيل…
والراجل قال من وراه:
"الفصل دا… يا مهند…
هو أول خطوة في الحرب."
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
....