الفصل السادس والثلاثون: مواجهه ٧
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الأوضة كانت دافية… بس الدفا ماكنش مريح.
كان زي دفا غريب… مالهش علاقة بالشمس ولا بالراحة، دفا بيتولد من خوف مكتوم.
أنس مرمي على الكنبة…
وشه شاحب…
شفايفه باهتة…
وصدره يطلع وينزل بصعوبة… كأنه بيشد الهوا من مكان بعيد أوي.
مهند واقف فوق راسه… إيده ماسكة إيد أنس، صباعه مضغوط عليه جامد…
والراجل—اللي لسه مهند مش عارف اسمه—واقف على الجنب، بيفتح شنطة قديمة مليانة حاجات شكلها مش طبي.
الراجل قال بهدوء تقيل:
"اسمع يا ابني…
هو مش محتاج دكتور… هو محتاج نرجّعه من اللي ماسكه جواه."
مهند اتوتر:
"جواه؟!
يعني الظل دا… لسه…؟"
الراجل قطعه:
"لسه…
ومش هيسيبه بسهولة.
بس إحنا نقدر نلزّقه بعيد… ولو حتى مؤقت."
مهند قرب خطوة وقال:
"طب نعمل إيه؟"
الراجل جاب زجاجة صغيرة، لونها غامق ورائحتها لاذعة، وحط نقط منها على منديل، وقربها من وش أنس.
مهند زعق:
"استنى! دا مش دواء؟"
الراجل بص له نظرة غريبة… نظرة حد شاف كتير قبلهم:
"دا مش دواء…
دا حاجة ترجّع الروح لمكانها."
قرب المنديل من أنس…
وثواني—
نَفَس أنس اتقطّع فجأة.
صدره اتحرك مرة قوية… مرة واحدة…
وبعدين هدوء مرعب.
مهند هِزّه:
"أنس! سامعني؟!
أنس!!!"
وفي نص اللحظة…
إيد أنس اتحركت بعنف.
مش حركة فَوْق…
حركة كأن حد بيشد عضلاته من جوّاه.
ورقبته اتشدّت…
وعينه فتحت نص فتحة…
بس مش بنظرة أنس.
نظرة… فاضية.
الراجل قرب منه بسرعة، وحط إيده على جبينه:
"إهدى…
ارجع…
ما تدخلش دلوقتي…"
مهند اتوتر:
"مين اللي ما يدخلش؟! هو أنس ولا…؟"
الراجل هزّ راسه:
"هو… مش لوحده."
أنس فجأة شهق بقوة—
زي طفل كان غرقان وطلع فوق الميّة.
جسمه كله نطّ نص قفزة، وإيده مسكت هدوم مهند بقوة…
بقوة مش طبيعية.
مهند اتجمد:
"أنس…؟"
صوت أنس طلع…
بس مكسور… ضعيف… ومش هو:
"ـــ… ماتسيبنيش…"
مهند قرب منه وحضنه من كتفه:
"مش هسيبك…
مش هسيبك يا أنس…"
الراجل قال:
"تمام… رجع…
بس دا رجوع مؤقت.
اللي ماسكه… نِصّه لسه جواه."
أنس قعد بالعافية…
مُتكئ على كتف مهند…
وشه لسه هادي بعد الخضة…
بس تحته حاجة… حاجة ملخبطة… مش أنس الطبيعي.
مهند لمس شعره وقال:
"أنت كويس؟"
أنس حاول يرد…
لكن صوته كان متقطع:
"هو… مش… بعيد…
لسه… حاسس بيه…"
الراجل اتدخل:
"طبيعي.
بس المهم… إنك دلوقتي قادر توقف على رجلك.
لأن اللي جاي… محتاجك صاحي."
مهند لف للراجل:
"اللي جاي؟!
إحنا عايزين نخلص… نهرب… نروح أي مكان آمن!"
الراجل ابتسم ابتسامة حزينة:
"الآمان مش برا…
الآمان هتعملوه بإيديكو.
ولو عايزين البتاع دا يبعد…
فلازم نواجهه."
أنس اتكلم بصوت أوضح شوية:
"هواجهه…
بس… مش لوحدي."
مهند بص له…
نظرة صدق وخوف وولاء… كلهم في مرة واحدة:
"مش هتكون لوحدك.
ولا ثانية."
الراجل قال:
"تمام…
نبدأ أول خطوة…
قبل الليل ما ينزل."
مهند شد ضهره:
"أول خطوة دي… إيه؟"
الراجل تنهد وقال ببطء:
"نطلع اللي جواه…
ونقفل الباب…
قبل ما حد تاني يفتحه."
والكلمة الأخيرة نزلت في الأوضة زي حجر في بير.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━