الفصل الثالث والاربعون: مواجهه ١٤
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الهوا كان ثابت…
ثابت بطريقة مريبة.
ولا ورقة شجرة بتتهز…
ولا نفس بيتحرّك…
كأن الدنيا كلها واقفة تستنى اللحظة دي.
البوابة قدّامهم كانت عالية…
حديد مصَدّي…
منقوش عليه رموز غريبة،
رموز أنس ما فهمش منها ولا خط…
بس جسمه اتوتر أول ما شافها.
كأن الرموز دي بتندّه عليه هو بالذات.
الراجل وقف بينهم وبين البوابة،
وشه فيه خوف…
بس مش خوف عليهم…
خوف من اللي ورا البوابة نفسها.
قال بصوت هادي:
"من اللحظة دي…
مفيش رجوع.
مرة ما ندخلش نرجع زي ما خرجنا…
ولا حتى متأكد إننا نخرج أصلاً."
مهند بلع ريقه،
ومسك ذراع أنس من غير ما يحس…
وكأنه خايف حد يسحبه في ثانية.
أنس، رغم التعب…
رغم رجليه اللي لسه مش ثابتة…
وقف وقدام عينه نفس الجملة
اللي قالها من شوية:
"أنا… مش ههرب."
الراجل لفّ المفتاح الغريب الكبير في القفل…
الحديد صوّت…
وكأن حد جوّا صاح من الوجع.
البوابة اتفتحت.
ومرة واحدة…
ريح سودة خرجت…
مش هوا…
لا…
موجة صوت…
زي شهقة حد كان مستني اللحظة دي بقاله سنين.
أنس اتراجع خطوة…
صدره اتقل…
قلبه ضرب أسرع.
ومهند قرب منه وقال:
"متسمحلوش يمسكك… فاهم؟
بُصّلي بس لو حسيت حاجة."
أنس هزّ راسه…
بس نظره اتسحب للداخل…
للسواد اللي مالهوش آخر.
الراجل قال:
"اسمعوني كويس…
اللي جوّا دا… مش كيان واحد.
هو باب…
باب لجوه أنس…
وجوه المكان دا.
وإنت —"
بص للراجل على أنس
"— لازم تقفله بنفسك."
مهند اتصدم:
"هو؟!
إزاي يعني؟ دا لسه… دا لسه طالع من الموت!"
الراجل ردّ من غير ما يرفع صوته:
"عشان كدا… هو الوحيد اللي يقدر.
الظل دا متمسّك بيه…
ومش هيبطّل غير لو أنس وقف قدّامه."
أنس شد نفسه…
وأول خطوة داخل المكان…
الأرض اتغيّرت تحته.
اتقلبت من أرض تراب لطين…
من طين لحجر…
من حجر لفراغ…
وكل خطوة كان لها صوت غريب…
كأن حد ماشي جواه هو.
أول ما دخلوا…
المكان اتقفل وراهم.
البوابة اتكعت.
الراجل قال:
"بدأت."
صوت…
مش صوت حد،
لكن نفس الصوت اللي كان يناديه جوّا العمارة…
الصوت اللي قال اسمه…
الصوت اللي شدّه…
طلع من العمق:
"أَنـــــس…"
مهند حس جسمه كله يقشعر…
قرب من أنس وقال:
"ما تبصّلوش… ما تردش…"
بس أنس؟
كان سامع حاجة تانية…
أعمق…
أقرب…
زي ما لوّ الصوت بيطلع من قلبه.
الراجل وقف قدامهم وقال:
"أهو…
دا أول وجه من الظل.
استعدّوا…
لسه بدري على الحقيقي."
وبين ما الراجل بيقول الجملة…
الأرض قدّامهم اتشقت…
وطلعت منه يد طويلة…
سودا…
من غير ملامح…
بتتحرّك زي دخان ماسك شكل.
وإيد تانية…
وتالتة…
ومهند مسك كتف أنس وقال:
"هتعدّي من هنا…
غصب عن كل دا."
أنس أخد نفس…
للأول مرة من ساعة ما خرجوا…
نفس كامل…
ونور خفيف ظهر حوالين صدره…
الراجل اتفاجئ وبصله:
"كده…
بالظبط.
ابدأ."
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
....