الفصل الثالث والاربعون: مواجهه ١٥
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الهوا اللي وِرّا البوّابة ما كانش هوا…
كان شبه سحبة باردة بتسحب روح اللي يدخل قبل جسمه.
أول خطوة…
مهند حسّها على جلده.
والراجل حسّها في صدره.
وأنس؟
أقرب حاجة للصمت… الصمت اللي بييجي قبل العاصفة.
الدنيا جوّه كانت سودة…
مش سواد ظلمة عادي…
سواد ليه كُتلة… زي ضباب تقيل بيلف حوالين رجليهم، يطلّع صوت “ففف” مع كل خطوة.
صوت الراجل جه واطي… ثابت:
"افتكروا… ما تسيبوش بعض.
وهنا… كل حاجة هتحاول تفرّقكم."
مهند شد إيد أنس…
وأنس شدّها هو كمان، بس بتقل… بتعب… إنما شدّ.
وبعد خطوتين…
الضباب اتحرّك.
مش هَبّة ريح…
ضباب بيتزق…
كأن حاجة كبيرة ماشية فيه…
مهند لمس كتف أنس وهمس:
“جاي.”
الراجل رفع يده فجأة وقال:
“اثبتوا مكانكم… مهما كان!”
والضباب انفتح لحظة…
وظهر.
مش ظلّ بقى.
لأ…
كان كامل… واقف… طوله مش طبيعي…
ضهره منحني لقدّام كأن رقبته أطول من جسمه…
ولمّا رفع رأسه…
وشّ مالوش وشّ.
مكان العينين… حفرتين سودا.
والفم… خط طويل، مفتوح على وسعُه، بس من غير أسنان… من غير لسان…
زي صرخة اتجمدت قبل ما تخرج.
ولمّا شاف أنس…
هَدَر.
صوت مش صوت بشر…
ولا حيوان…
زي معدن بيتخربش على زجاج.
مهند غصب عنه رجع خطوة.
والراجل مسكه من دراعه وقال بصوت خشن:
“ما تتراجعش. لو اتراجعت… هياخد كل حاجة.”
أنس كان واقف…
مش ثابت…
بس واقف.
وعينه على الوحش…
من غير ما يرمش.
الظل بدأ يتحرّك…
مش بجري…
بس بانزلاق…
زي ما لوّ الأرض بتسحبه ناحيتهم.
مهند رفع صوته:
"ورّينه إحنا جينا ليه يا أنس… ما تخافش!"
لكن أنس ما كانش بيسمعه…
كان سامع حاجة تانية.
صوت جوا دماغه…
مش ملكه…
مش صوت حد عرفه…
صوت الظل…
بيخبط جواه…
وبيجرّب يدخل تاني.
الراجل شاف التغيّر في وش أنس وقال:
"ما تسمحوش له يدخل… لو دخل دلوقتي مش هيخرج!"
الوحش قرب…
والأرض حوالين رجليه اتشقّت زي جلد بينزلق.
مهند وقف قدّام أنس بنص خطوة وقال:
"تعال… تعال وأنا واقف هنا.
بس انس؟ لأ."
الوحش اتشنّج لحظة…
وبعدين…
هــجـــم.
بسرعة… مش مفهومة…
ضباب اتدفع معاها…
وصوت مخيف…
أنس اتصدم من الهجمة…
بس ما وقعش.
ما رجعش.
نَفَس واحد خرج منه، تقيل… بس كان موجود.
رفع إيده…
والمرة دي…
ما كانتش بتهتز زي قبل.
إيده ثبتت.
الوحش كان على قريب…
قريب قوي…
لدرجة إن الضباب اللي قدّامه لفّ على دقن أنس زي دخان.
وأنس قال بصوت مش هو صوته…
أقوى…
أوضح…
“مش هتدخل تاني.”
الوحش وقف.
حرفيًا وقف.
زي ما لوّ الكلمة كبّلته.
مهند اتسعّت عينه:
"أنس… قدرته رجعت…!"
والراجل شدّ نفسه خطوة لقدّام:
"لسه… لسه.
استحمل…"
الوحش اتلّوى…
زي ما لوّ الكلمة جرّحت فيه…
وبعدين…
صرخ.
والصرخة المرّة دي…
بهزّت الأرض اللي واقفين عليها.
مهند مسك دراع أنس وسنده:
"كمل… كمل مهما حصل!"
وأنس رفع إيده التانية…
وبدأ الضباب اللي حوالين الوحش يتقلب…
يتحرّك…
كأنه بيتسحب…
اتجذب من حواليه ورجع ورا…
ورجع أكتر…
كأن أنس بيشد منه حاجة…
قوّة… خيط…
حاجة سودة طالعة من جسم الظل.
والراجل صرخ:
"دي الروح اللي سرقها منك!!
ما تسيبهاش!! اسحبها كلها!!!"
الوحش اتلوّى واتفرد ورفع جسمه لفوق…
إيده السودة اتفتحت…
والسواد اللي كان جوّا بطنه بدأ يطلع…
خط…
خطين…
تلات خطوط…
وأنس جسمه بدأ يرجعله لونه…
مش شاحب…
مش منهار…
قوته بترجع.
لكن قبل ما يكمل…
الوحش فجأة…
ضرب.
ضربة هوا…
قوة نقّحت أنس في ضهره…
وقع على ركبه…
ومهند وقع جنبه…
والوحش…
اتشوّه.
ملامحه اتعوجت…
صوته اتغير…
وبدأ يركّز عينه—أو اللي مكان عينه—على أنس تاني.
الراجل رفع سلاح غريب… زي عصاية محفور عليها علامات وصرخ:
"انس!! لازم تنهي دي دلوقتي!!
لو ما خلّصتش… هيبقى أقوى… وهنخسرك للأبد!"
أنس رفع راسه...
والمرّة دي…
مفيش خوف.
مفيش هروب.
مفيش تردّد.
بس حاجة جديدة…
غضب.
غضب هادي…
واضح…
محدّد.
وقف…
ببطء…
بس بقوة.
وبص للوحش وقال:
"خلصت."
والهواء حوالينهم…
اتشق.
والراجل قال يلا يا انس....
وانس دخل الغرفه......
━━━━━━━━━━━━━━━━━━