الفصل الخامس والاربعون: مواجهه ١٦
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الباب ورا أنس اتقفل لوحده…
قفلته كانت تقيلة… كأنها وقعت على قلب حد، مش على خشب.
الغرفة كانت شبه فاضية…
حيطان مش متساوية…
لونها رمادي باهت…
وإحساس إن المكان ده اتبنى مخصوص “عشان اللحظة دي”.
مهند حاول يدخل وراه…
لكن الراجل مدّ إيده قدامه بقوة وقال:
"لا. دي لحظة هو بس اللي لازم يخوضها.
لو دخلت… هتموت انت وهو."
مهند وقف…
مش قادر ياخد نفس…
بس عارف إنه لازم يسيبه.
أنس وقف في نص الأوضة.
رجله كنبت ترجّ.
كتفه يولّع…
الوشم الأسود حوالين البوابة في جلده كان بينبض…
زي قلب حد تاني عايش جواه.
وبعدين…
الهوى اتغير.
مش برد.
مش حر.
مش أي حاجة يعرفها البشر.
ده هوا بيتنفس…
بيتقل…
كأنه كائن.
والمكان قدّامه غمَق…
الحتة اللي مفيهاش نور بقت أعمق…
وبعدين—
الظل ظهر.
مش بخطوة…
ولا بصوت…
ظهر كأنه كان واقف من بدري…
مستني…
وبيبتسم من غير وش.
ظلّ طويل، أطول من طول الأوضة نفسها…
دراعاته نحيفة…
أصابعه بتسحب في الأرض…
وصوت…
مش صوت واحد…
صوتين… تلاتة… عشرة…
كأن كل الأوض اللي مرّوا بيها بتتكلم جوّا نفس الجب.
"أنــــــــــــس."
أنس اتشنّج.
بس ما اتراجعش.
هو اللي تقدّم.
وقال بصوت متقطع لكنه ثابت:
"أنا… مش ههرب.
مش المرّة دي."
الظلّ ما ردش.
بس الأرض اتحركت تحته…
وفجأة اندفع ناحيته بسرعة تخوّف…
مش جري…
كأنه اتسحب من الهوا.
أنس رفع إيده يغطي وشه—
بس قبل ما اللكمة توصل…
البوابة اللي في كتفه ولعت.
نور رمادي…
رماد مش رماد…
حاجة بين الحياة والموت.
الظل اتراجع خطوة…
مش خوف…
ده انزعاج.
أنس حس بألم…
ألم يشق جسمه للضهر.
صرخ…
أول صرخة من الليلة الطويلة.
وقع على ركبه…
إيده على كتفه…
بس…
لما رفع راسه…
عينيه اتغيّرت.
بقت أعمق…
أغمق…
وفيها لمعة هدوء مش بتاعة بني آدم.
الراجل برا قال لمهند وهو بيبص للباب:
"البوابة فتحت نص فتحة…
لو قفلها وهو صاحي… هينجو.
لو قفلها وهي مسيطرة عليه… هيموت.
ولو ما قفلهاش…"
مهند قاطعه بصوت مهزوز:
"هيحصله ايه؟"
الراجل قال:
"مش هيبقى أنس تاني."
رجع جوّا—
الظل كان نازل عليه من فوق،
دراعه بيمتد…
أصابعه بتتقوس حوالين رقبته…
وأنس…
بإيده الضعيفة…
مسك دراع الظل.
وللمرة الأولى من أول المواجهة…
الظل اتفاجئ.
صوت crack صغير…
زي حاجة بتتكسر…
مش عضم…
حاجة أعمق.
أنس شدّ…
وجسم الظل اتلخبط للحظة.
بس الألم؟
الألم اللي في كتف أنس؟
زاد.
زاد لدرجة إن رجليه اتلوت من تحته.
وقع على الأرض…
وصرخ تاني…
صرخة خرجت من ضهره مش من صدره.
البوابة فتحت تاني…
نورها ولّع…
ولونه اتغير…
من رمادي لـ أسود خفيف…
لبعد كدا رمادي فاتح…
والظل اتشنّج…
كأنه مش عارف يدخل ولا يخرج.
وأنس…
حط إيده على كتفه…
وحاول…
يحاول يقفل البوابة.
بس كل ما يقرب،
صوت في دماغه يقول:
«سيبها… افتح… افتح… افتح…»
صوت الظل...
صوت نفس عميق.
صوت رغبة مش رغبة.
زي حد بيغريك بالراحة.
بس أنس اتعصب…
وعض على سنانه…
وقال:
"مش… هفتح… تاني."
مد إيده بقوة…
حط كفه على البوابة…
والوشم كله ولّع نور.
الظل صرخ—
أول مرة يطلع منه صوت.
زي حد بيغرق في هوى مش مايّة.
الأوضة اتشقلبت…
الحيطان اتلوت…
والنور دخل في البوابة…
وأنس صرخ بصوت يقطع الحيطان:
"اقفلييييييييييييييييييييي!!!!"
الضوء ضرب…
السواد اختفى…
الظل وقع على الأرض…
بقى مسلوخ، ضعيف، زي دخان بيهرب…
وأنس؟
أنس…
وقع.
وقع فجأة…
من غير ما يحط إيده…
من غير ما يقول كلمة…
عينيه اتقلبت…
ونَفَسه وقف للحظة.
ومهند برا، أول ما سمع الصوت، صرخ:
"أأنسسسسس!!!"
الباب اتفتح…
الدخان طلع…
والأوضة رجعت عادية.
والراجل قال بصوت منخفض:
"لسه ما خلصناش…
دي كانت المواجهة الأولى بس."
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
....