الفصل الرابع والخمسون: “ مواجهه ٢٥
...
الدنيا كانت ســوداء فوق…
سواد تخين… واقف… مالوش آخر.
وأنس فوق…
واقف على آخر درج…
وشه نازل على الأرض ومفيش في جسمه ولا ذرة قوّة.
والبوابة اللي في كتفه… لسه سايحة وجع… ولسه بتقفل آخر سنّة.
وبعدين…
“ طـــاخ ”
الصوت نزل زي طلقة.
جسم أنس وقع دفعة واحدة…
ارتطام خفيف… بس كفيل يقطع قلب أي حد سامع.
مهند تحت…
وقف مكانه ثانية.
رجله اتشنجت.
ودمه ضرب في ودانه.
“أنس؟”
الصوت خرج مبحوح…
مش صرخة…
مش نداء…
ده صوت حد بيحاول يصدق إن اللي وقع مش صاحبه.
ثانيتين… ثلاثة…
وبعدين مهند جري.
السلالم كانت بتتخبط تحت رجله،
الهوى بيضرب في وشه،
والليل اللي وراهم… بيتراجع.
وصل فوق…
ولقى أنس مرمي على الأرض…
كتفه بينزف خط رفيع من نور مطفي…
وعينه مقفولة جامد كأنه بيهرب جوا نومه من الوجع.
مهند وقع على ركبته جنبه فورًا:
“أنس!! … أنس سامعني؟!”
إيده كانت بتتهز وهو بيرفع راسه.
أنس كان سخن… سخن بطريقة غلط…
زي حد النار لسه مطفية عليه حالًا.
مهند قرب ودنه عند صدره…
فيه نفس.
ضعيف… بس موجود.
“الحمدلله… الحمدلله…”
قرب وشه أكتر…
وحط إيده على كتف أنس اللي حوالينه البوابة.
وفجأة…
وشه شدّ من الرعب.
كتف أنس كان عامِل نبض…
نبض غريب…
زي قلب صغير بيخبط من جوّه…
أو زي باب لسه بيقفل من العالم التاني.
مهند همس:
“أنا هنا… أنا هنا يا أنس… اسمعني… مش هسيبك.”
لكن أنس…
كأنه غرق في سكات تاني…
وكل ما مهند يحركه نص حركة…
صدره يترفع تنفّس جامد…
وبعدين يسقط تاني.
مهند عضّ على شفته…
بص حوالين…
الممر الطويل… فاضي…
الهوى ساكن…
بس السواد اللي وراهم،
السواد اللي كانوا بيهربوا منه…
واقف.
مش بيقرب…
بس مش ماشي.
مهند شال أنس من تحت دراعه،
وبالعافية رفعه على كتفه…
نَفَس أنس اتلخبط من الحركة،
بس رجع بعدها ببطء.
“هناخد بعض وننزل… هننزل… هنسمع صوت الأرض تحت رجلينا تاني… بس اصحى معايا.”
مهند نزل درجة…
وبعدين درجة ثانية…
رجله كانت بتتزحلق من التوتر…
وقلبه بيضرب أسرع من خطواته.
ولما وصل لأول الدور…
وقف.
مش من خوف.
من صدمة.
أنس في كتفه…
اتحرك.
مش حركة كبيرة…
بس كفاية تخوّف.
نَفَس بيتسحب…
وكلمة طالعة متكسّرة:
“م…هـند…”
مهند نزل أنس بسرعة على الأرض وقعد معاه:
“أنا هنا… هنا… كل حاجة خلصت… انت قفلتها… خلاص.”
عين أنس فتحت نص فتحة…
على قد ما يقدر…
وبص حواليه…
زي طفل صاحي من كابوس لسه ماسك طرفه.
“هو… مشي؟”
مهند مسك وشّه بإيده الاتنين:
“لو رجع… أنا مش هسمح له يقربلك. فاهم؟ مهما كان.”
أنس حاول يبتسم…
بس الوجع قطع الابتسامة نصين.
دمعة خفيفة نزلت من زاوية عينه من غير صوت.
مهند مسحها بإبهامه…
وقال بصوت ثابت:
“قوم… هنكمّل الطريق… بس المرة دي… مش لوحدك.”
أنس حاول يحرك نفسه…
وساعتها…
السلم تحتهم…
اهتز.
هزّة خفيفة.
مش خطر…
لكن كافية تبين إن اللي وراهم… لسه صاحي.
مهند قام بسرعة،
وساعد أنس يقف،
وإيده ماسكة دراعه بقوة…
قوة وعد… مش مساعدة.
“يلّا… قبل ما يفكّر يبص علينا تاني.”
وخرجوا…
والسواد وراهم
وقف مكانه.
لأول مرة.
وكأنه خايف يقرب.....
━━━━━━━━━━━━━━━━━━