الفصل الخامس والخمسون: “ مواجهه ٢٦
.......
الهوى اللي كان برا البيت ضرب في وشّهم أول ما خرجوا…
هوى بارد… بس فيه حاجة مختلفة.
زي نسمة جاية من عالم تاني… عالم أهدى… عالم بيقولهم:
لسه فاضل… بس الطريق ابتدى يتروّق.
مهند كان ماسك أنس من تحت دراعه…
مش مسنده بس…
ده شايله بين خطوة وخطوة، كأنه خايف رجله تلمس الأرض وتوجعه.
أنس كان لسه وشّه شاحب…
عنيه نص مفتوحة…
والنَفَس داخل وخارج كأنه بيتعلم يعيش من جديد.
وكل ما يمشوا خطوة…
مهند يبص عليه…
مش بس عشان يطمن…
لأ… عشان يتأكد إنه موجود فعلاً.
…
أول ما وصلوا عند أول عمود نور في الشارع…
الضوء وقع على ملامح أنس.
مهند وقف.
وقف كأنه حد ضغط زرار في ظهره.
شعره المكركب، هدومه المتربة، التعب اللي ساكن في كل خط في وشّه…
لكن تحت كل ده، كانت فيه حاجة…
نار صغيرة… بتولّع.
أنس فتح عينه أوسع شوية…
كأنه حاس إن النور بينده له.
زي طفل أول مرة يخرج برا شقته بعد عاصفة طويلة.
بص لمهند، وبصوت واهن قال:
"إحنا… خرجنا فعلاً؟"
مهند قرب منه، وحط إيده على رقبته يطمّن على نَبضه وقال:
"خرجنا…
بس مش هسيبك ترجع للظلمة تاني."
أنس ضحك ضحكة صغيرة…
ضحكة بتوجع أكتر ما تريح:
"يا عم… أنا… رجلي مش شايلاني."
مهند ابتسم هو كمان…
ابتسامة متكسّرة، بس صادقة:
"يبقى أنا هشيلك…
مش أول مرة."
…
كملوا ماشيين.
خطوة بخطوة.
لحد ما العتمة وراهم بقت فعلاً حاجة بعيدة، حاجة شبه ذكريات مش واضحة.
وفجأة…
أنس وقف.
مهند اتوتر:
"مالك؟!"
أنس مد إيده على صدره…
مش على صدره بس…
على مكان البوابة اللي جوّاه.
وشه اتغيّر.
عنيه ركزت.
نَفَسه اتسرّع…
وملامح الألم رجعت، بس المرة دي… مختلفة.
مش وجع خوف.
وجع تحوّل.
مهند صرخ بصوت عالي:
"أنس!!"
لكن أنس رفع إيده… بالإشارة بس…
“استنى”.
قفل عينه…
والدنيا حواليه اتغيرت.
الهوا اتشد.
الأرض تحتهم اتقلّت.
الليل نفسه حسّ إنه بيحاول يتحاشاه.
وبعدين…
صوت.
مش صرخة.
مش كلمة.
كأنه باب مقفول جوّه صدره… بيفتح.
أنس اتشنّج.
جسمه اتقوّس.
وصوت خافت خرج من بين أسنانه:
"هي… عايزة تتحرك…"
مهند مسكه من كتافه:
"اسمعني يا أنس!!
لو فتحتها غلط، جسمك مش هيستحمل!"
أنس فتح عينه…
نظرة ثابتة، قوية، مش بتاعة حد تعبان.
"أنا…
مش هفتحها غلط."
وبعدين…
رجع صرخ.
صرخة طويلة…
تقيلة…
صرخة حد بيحارب من جوّه…
مش بيتألم بس.
النور اللي كان في العمود جمبهم…
اتذبذب.
انطفت لحظة.
نورت تاني.
والبوابة…
قفلت.
اتقفلت بصوت ما سمعهوش غير هو ومهند.
زي حد قال “بس… كفاية لحد هنا”.
وفي اللحظة دي…
أنس… وقع.
وقع بالكامل.
الدنيا اسودت قدّامه.
جسمه انهار كأنه خسر معركة…
بس الحقيقة؟
هو كسب أكبر واحدة فيهم.
مهند لحقه قبل ما راسه تخبط الأرض…
مسكه…
وشه كله خوف…
بس خوف مختلف.
مش خوف إنه هيموت.
خوف من حجم اللي عدّى عليه.
مسك وشّه وقال بصوت مهزوز قوي:
"أنس… سامعني؟
ردّ عليّ يا صاحبي…
بالله عليك…"
أنس فتح عينه بالعافية…
نص فتحة…
وقال بصوت طالع على آخره:
"أنا… كسبت…
صح؟"
دمعة وقعت من عين مهند قبل ما يلحق يخبيها.
مسك راسه، قربه لصدره، وقال:
"أيوه…
كسبت…
بس بلاش تكسب بالطريقة دي تاني… فاهم؟"
أنس ابتسم ابتسامة شبه غايبة:
"وإنت…
بلاش تسبني…
فاهم؟"
مهند ضحك… ضحكة مخنوقة خوف وفرحة:
"ولا يوم… يا أنس.
ولا يوم."
…
والليل حواليهم؟
كان واقف…
ما بقاش يجري وراهم.
ما بقاش يهمس.
ما بقاش يتسلّل.
الليل… كان بيتراجع.
لأن أنس…
لأول مرة…
واجه.
ولأول مرة…
ما وقعش لوحده.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
........