الفصل الثامن والخمسون: مواجهه ٢٩
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
...
.....
الطريق للبوابة التالتة كان أطول من أي مرة قبل كده.
مش لأن المسافة بعيدة…
لا.
عشان خُطاهم بقت أتقل…
والهوا حواليهم بقى واقف،
زي ما الزمن نفسه بيقول لهم:
"راجعوا قراركم قبل ما تدخلوا."
مهند ماشي جنب أنس…
مش ساند…
لا.
ماسك إيده جامد…
كأنه لو سيبها لحظة…
أنس هيتسحب من الهوا.
وأنس؟
كان ساكت…
مش من التعب بس…
في حاجة جواه عاملة زي حجر كبير…
عارف إنه داخل على وجع مش شبه أي وجع.
قربوا من البوابة…
باب ضخم… غامق…
مرسوم عليه خطوط محفورة من جوّا،
كأن حد حفرها بإيده وهو بيصرخ.
الراجل وقف بعيد…
ماقربش خطوة.
قال بصوت واطي:
"افتحها… وانت بس يا أنس."
أنس بلع ريقه…
إيده ترعش لحظة…
بس مدّها.
ولمّا لمس سطح البوابة—
الباب شَهَق.
حقيقة…
شهقة كاملة…
زي نفس حد ميت ورجع.
ثم—
"بووووم"
اتفتحت.
الهوا جوا كان بارد…
بارد بدرجة تحرق الجلد من شدته.
ومهند حس بإيده بتتشّد لقدّام…
أنس اتسحب خطوة…
مش بإرادته.
مهند مسك كتفه:
"استنى… أنا معاك."
أنس هز رأسه…
بس رجله داخلت من تلقاء نفسها.
دخلوا.
الضلمة جوّا مش ضلمة…
دي كتلة.
حاجة سميكة…
تقيلة…
بتتحرك معاهم.
وفجأة…
الأرض تهزّت تحت رجلي أنس.
ومهند زقّه الوراء:
"خلي بالك—"
لكن قبل ما يكمل،
الصوت جه…
الصوت اللي سافر وراهم من أول بوابة.
مش همس.
مش نداء.
صرخة…
عارف اسم أنس أكتر من أي حد.
"أآآآآنــــــــــــــس!!!"
الصوت خبط في ودانه…
اترنّ جوا جمجمته…
ومرة واحدة—
جسمه اتقوّس لفوق.
صدره اتفتح على هوا بارد يخش بالعافية.
رجليه وقعت على الأرض،
وإيده تمسكت في الهوا…
كأنه ماسك حاجة مش موجودة.
مهند حاول يقرب:
"أنــــس!!"
بس أول ما قرب…
حاجة سوداء…
زي ذراع دخان…
خبطته لورا.
مش بقوة…
لا.
بإهانة.
أنس بقى في النص…
واقف…
ومش قادر يقف.
العذاب بدأ.
صرخته طلعت من جواه…
صرخة طويلة…
مقطوعة…
كأنها بتتخبط في ضلوعه قبل ما تخرج.
مهند صرخ:
"سيبه!!! سيبه يا ابن الـ—"
الصوت جه تاني…
أقرب…
أكتر…
زي ما لوّ بيتنفّس في ودنهم:
"آخر بوابة… بتتفتح بوجعك."
وظهر.
الظل.
مش شكل…
مش ملامح…
مجرد سواد جوا سواد…
لكن ليه وزن…
ليه حضور…
ليه عينين مش مرسومين…
لكن موجودين.
مدّ إيده لأنس…
ودخل جواه.
مش بمعنى دخل جسمه…
دخل داخله.
زي خيط نار بيدخل شقّ رفيع.
أنس وقع على ركبته.
إيده اتثبتت على الأرض.
ضهره اتقوّس زي قوس مشدود.
وطلع صوت منه…
مش صرخة.
زفير من جحيم.
مهند حاول يقرب…
بس كل خطوة بياخدها…
الأرض تتحول لرماد تحت رجله.
كمهند بدا يزحف علي الارض ........عشان يوصل لانس .........
الراجل من بره البوابة صرخ:
"سيبه يكمل!! لو تدخلت دلوقتي هتموت انت وهو!!!"
مهند زعق:
"مـــش هســــيبه!!!!"
وجري.
أول ما رجله دخلت مساحة المواجهة—
الأرض تحت أنس تحولت لدوامة سواد…
ومهند وقع على جنب،
حافر بأظافره في الأرض عشان يقوم.
أنس بقى في النص…
السواد ملفوف حواليه…
زي ما يكون بيحاول يسحب روحه.
وصرخته طلعت بعلوها.
صرخة وجع حقيقي.
وجع يخوّف.
وجع يخلي مهند لأول مرة…
يبكي.
"أنس!!!! اسمعني!!!"
أنس كان بيترعش…
كأنه كل خلية فيه بتتكسر.
وفجأة…
صوته طلع واهي…
متقطع…
بس مفهوم:
"مهند…
ما…
تسيبنيش…..ماتسيبنيش لوحدي.......
الكلمة قلبت الدنيا.
مهند زحف…
بالقوة…
على ركب…
على إيدين…
لحد ما أقرب نقطة ممكن يوصلها…
ومدّ إيده لأنس:
"أنا هنا!!!"
ولوهلة…
ولو لحظة…
السواد اتراجع سنّة.
كأنه… خايف.
أنس، وهو بيترعش،
مدّ إيده بالعافية…
أصابعه ترتعش…
وعينه بتدمّع من الألم.
وبمجرد ما صوابعهم لمست بعض—
نور… نور خرج من كتف أنس.
من مكان البوابة اللي بتوجعه من أول يوم.
النور بقى أقوى…
وأقوى…
لحد ما السواد بدأ يتحلل…
ينكمش…
يصرخ بصوت مش صوت بني آدم.
و…
"بووووووووووووووووم!!!"
الدوامة انفجرت.
السواد اتقطع زي دخان مضروب بريح.
أنس وقع.
وقع سقوط كامل.
جسمه انطفى.
عينيه اتقفلت.
ونفسه…
قطع.
مهند صرخ:
"أآآآآآنس!!!"
وزحف لحده…
مسك راسه…
هزّه…
مش بيصحى.
"أنس… أنس… أرجوك… افتح عينك…"
بس…
أنس ما فتحش.
ولا نفس.
ولا حركة.
والدنيا حواليهم بقت هدوء تام…
هدوء مرعب…
قبل ما السواد يرجع…
بس من بعيد…
مهند حضنه…
كأنه بيحضن كل خوفه…
وهمس بصوت مكسور:
"قوم يا أنس…
أنا هنا…
قوم…"
لكن أنس…
كان واقع......بلا حراك......
وتحتهم…
الأرض تهز،
كأن البوابة نفسها بتقفل…
الراجل جري عليهم.....
بص علي انس....
لا لا لا...غيبوبه لا الدنيا مشيت بالعكس....
بسرعه يا مهند حطه في العربيه.....
مهند اتصدم وقاله ايه؟!انت بتقول ايه؟!
الراجل زعق مش وقته يا مهند بسرعه....
مردش........وعمل اللي قاله.....
وجريوا …
واللي جاي…
أخطر من اللي فات.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
..