الفصل التاسع والخمسون: مواجهه ٣٠

.....

.....

الليل كان هادي… هدوء غريب…

مش هدوء أمان.

هدوء زي ما لوّ الدنيا بتحبس نَفَسها مستنية حد يرجع للحياة… أو يسيبها للأبد.

الراجل رجّعهم بيته.

فتح الباب من غير كلمة…

مهند شايل أنس، جسمه تقيل وبارد، وملابسه لسه مشبّعة بحرارة البوابة اللي حرقت كل خطوة داخليها.

الغرفة كانت بسيطة…

سرير خشب…

ضوء أصفر ضعيف…

وجدار عليه شرخ طويل كأن البيت نفسه فاكر اللي بيحصل جواه.

مهند حطّ أنس على السرير بالراحة…

غطّاه…

لكن أول ما شاف صدره مش بيطلع وينزل زي الطبيعي…

وقع على الأرض جنبه.

بيبصله بحزن...

وسهر جمبه.....

---

في اليوم الأول.

أنس كان نايم…

مش نايم بس.

كان غارق جوا حاجة أعمق من النوم.

غيبوبة سودا… كل اللي فيها صمت وثقل.

مهند قعد جنبه…

إيده على إيده…

عينه ما بترمش.

– “أنس؟ سامعني؟”

مفيش رد.

بعد ساعة…

نقطة دم خرجت من بقّ أنس.

نقطة صغيرة بس عدوانية…

نزلت على المخدة واتفجّرت لحزن جديد.

مهند قرب… مسح الدم بطرف التيشيرت اللي عليه آثار البوابة.

همس:

– “متعملش فيا كدا… بالله عليك.”

وبقي صاحي لحد الفجر…

مستني نفس… حرف واحد… أي علامة.

مفيش.

---

اليوم الثاني.

النهار دخل من الشباك…

لكن ملامح مهند كانت باينة إن الليالي جوّاه أكتر من اتنين.

مسك إيد أنس…

ضغط عليها…

وقال بصوت مكسور لأول مرة:

– “أنا… عمري ما حد حب يقرب مني..…

لا صاحب…

لا قريب…

ولا حد.....

كله كان بيبصلي بقفرف....

كأني نكره......

أنا كنت دايمًا لوحدي…

فاكر؟ قلتلك زمان إني مش محتاج حد.”

انا كنت محتاج .....

بس كنت بكرهم.....

بكره الناس......كرهتهم.....

صوته اتشق:

– “بس انت…

بوّظت دا كله.”

ليه؟!..........

انا مكنتش بحب حد.....ولا بخاف علي حد.......

ليه غيرت وجهت نظري........

نقطة دم جديدة نزلت من بق أنس.

مهند اتوتر…

لكن المرة دي مسح الدم من غير ما يرجف.

اتعود.

قرب من ودنه، وقال:

– “اسمعني لو كنت سامع…

أنا مش هسيبك.

ولا ثانية.”

---

اليوم الثالث.

وشّ أنس بقى باهت…

كأنه ظلّ إنسان مش شخص.

حروق البوابة على دراعه كانت غامقة…

ممتدة زي شجرة ميتة على جلده.

مهند كان منهار…

عيونه محمرة من السهر والبكا.

ما تحركش من مكانه طوال الـ٣ أيام.

والدم…

كان نازل من بق أنس ببطء…

مرة كل كام ساعة.

ومهند يمسح…

ويسرح…

ويفتكر:

لما أنس وقف معاه.

لما شال عنه الخوف.

لما صرخ عشانه.

ولما دخل البوابات وهو عارف إنه هيتكسر.

المشهد كان كافي إنه يوجّع أي حد…

بس مهند بصوت هادي، شبه منهار، قال:

– “إنت عمرك ما سبّتني…

حتى وإنت موجوع.

يبقى ازاي أسيبك دلوقتي؟

هتقوم…

غصب عن الدنيا كلها.”

حطّ راسه على صدره…

وصوته اتكتم جواه:

– “قوم بقا… قوم بالله عليك.”

وأنس…

ما اتحركش.

لكن جوا دماغه…

كان سامع.

ســامــع كل كلمة.

بس كان محبوس في الظلمة…

عاوز يرجع، بس جسمه مش قادر.

---

اليوم الرابع…

إعادة نفس التفاصيل.

هدوء خانق.

غياب الراجل تمامًا.

ومهند مش بيقوم ولا بيأكل…

غير إنه بس ماسك إيد أنس.

---

اليوم الخامس.

باب البيت اتفتح.

الراجل رجع…

بص على المشهد…

على مهند اللي شكله بقا شبه الشبح…

وعلى أنس اللي لسه ما بين الحياة والموت.

قال الراجل بهدوء، بنبرة فيها خوف مش باين قدّامها:

– “لو فاق… بيبقى مستعد للبوابة الأخيرة.

ولو ما فاقش… يبقى…”

وسكت.

مهند رفع عينه،

وفيها دموع وغضب وحاجة تانية…

كأن قلبه بيهدد الدنيا كلها:

– “هو هيفوق…

غصب عنك… وعنها.”

الراجل هز راسه…

وبارك السكون مرة تانية.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

.....

2025/12/05 · 5 مشاهدة · 537 كلمة
reven
نادي الروايات - 2026