الفصل السابع والستون: مواجهه ٣٧
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
البيت كان ساكت…
مش سكت هدوء…
سكت خوف.
السكت اللي قبل حاجة تحصل…
الحاجة اللي بتقلب الليلة رأسًا على عقب.
أنس دخل الباب بصعوبة وهو شايل مهند…
إيده ماسكة صاحبه كأنه ماسك آخر نفس في الدنيا.
مهند كان تقيل…
تقل وجع…
وتقل دم…
وتقل حاجة جوّاه بتتحرك… ومش بتسكت.
الرجل قفّل الباب بسرعة وقال بصوت واضح:
"حطُّه على الكنبة… بسرعة."
أنس حطّ مهند بالراحة…
وبص على وشّه اللي نصه دم ونصه إرهاق.
وشّ مش بتاع واحد اتحارب…
بتاع واحد اتسحب منه حاجة…
حاجة صعبة يتسما اسمها.
مهند حاول يفتح عينه…
لكن كل مرة كانت الرمشات تبقى أتقل من اللي قبلها.
أنس قرب منه…
لمس وشّه بإيده المرتعشة:
"مهند… كلمني… بالله عليك."
مهند ما نطقش…
بس صدره طلع نَفَس صغير…
وبعدين وقف لحظة أطول من اللازم.
اللحظة اللي القلب بيتوقف فيها قبل ما يرجع يدق.
الراجل قرب… بص على صدر مهند…
حط إيده عليه…
وتجمد.
"إيه؟!"
أنس صوته علي وخوفه علي.
الراجل قال ببطء:
"الوجع اللي شاله منك… لسه جواه.
وجسمه بيحاول يطرده… بس مش عارف."
أنس اتخض:
"بيموت؟"
الراجل بصله…
نظرة مش كاملة لا… ومش كاملة آه…
نظرة تخض أكتر من الكلمة نفسها.
"لو الحسّة السادسة ظهرت… مش هيموت.
بس لو اتأخرت… جسّمه مش هيستحمل."
مهند فجأة اتشنّج…
جسمه اتكور على نفسه…
وصوت خافت خرج منه، صوت مش صرخة…
صوت ألم مكتوم…
كأن الوجع مش واخد إذن يطلع.
أنس مسك إيده بسرعة:
"أنا هنا… أنا هنا يا مهند.
بصلي… لو سامعني… امسك إيدي."
وبمرور ثواني…
إيد مهند اتحركت…
مش مسكة…
لمسة بس…
بس كانت لمسة حياة.
أنس نزل دمعة…
وقعِت على إيد مهند…
مهند رمش… رمشة ضعيفة…
كأنه حس بيها.
الراجل وقف خلفهم وقال:
"دي… بداية السادسة.
السادسة… مش إحساس.
السادسة… ربط كامل."
أنس اتلفت له بسرعة:
"يعني ايه؟"
الراجل:
"يعني أي وجع عليك… هيوصل له.
وأي حاجة هو بيحس بيها… إنت هتحسها.
والعكس."
أنس اتصدم:
"بس دا… مستحيل.
دا هيموّتنا إحنا الاتنين."
الراجل هز راسه:
"عشان كدا… لازم تتجهز… الليلة."
نظرة أنس راحت لمهند.
مهند في اللحظة دي حاول يتكلم…
فتح بقه…
لكن بدل الكلام…
نقطة دم وقعت على قميصه.
أنس اتجمد.
قلبه اتنفض.
قام بسرعة:
"مهند!!!"
مهند عينه اتسعت لحظة…
وبعدين رجعت تغمض…
مش غيبوبة…
نص وعي… نص ألم… نص خوف.
الراجل قال بسرعة:
"ما تخوفهوش. ده طبيعي.
الخامسة لسه شغالة… وبتسحب من جسمه."
أنس صرخ:
"طب اعمله حاجة!!"
الراجل فتح درج صغير…
طلع منه زجاجة صغيرة…
وحط نقطة على صباعه…
قربها من بق مهند:
"دي هتهدي الوجع… شويه."
لما النقطة لمست شفايف مهند…
جسمه كله ارتخى لحظة…
تنفس طويل خرج منه…
كأن صدره كان محبوس وفتح.
أنس قعد جمبه…
حط راس مهند على رجله…
ولمس شعره ووشّه بإيده…
وقال بصوت مكسور:
"محدش كان ليا… غيرك.
محدش.
وانت… جيت… وفضلت…
ومش هسيبك… مش بعد اللي وصلنا له."
مهند فتح عينه نص فتحة…
نظرة مش واضحة…
بس فيها معنى واحد:
"أنا… سامعك."
أنس اتنهد…
ولمس جبينه…
وقال:
"وأنا… معاك."
والراجل كان واقف…
شايفهم… ساكت…
لإنه عارف…
إن الليلة دي…
هي آخر ليلة قبل الدخول الكبير.
آخر ليلة قبل البوّابة الأخيرة.
والليل برا…
كان بيقرّب…
زي حدّ جاي يتفرج على الجولة الجاية.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━