الفصل الثامن والثمانون: علي حافه الموت ٥
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الهوا كان بارد…
برد يزيد الإحساس بالوحدة…
بس أنس ما كانش سامع غير صوت واحد:
نَفَس مهند.
نَفَس تقيل… متقطع…
نَفَس يخوّف.
أنس كان لافف ايد مهند علي كتفه وساند بقيت جسمه بايده التانيه....
بس لما رجله اتزحلقت في التراب… مهند اتفلت من إيده.
وقع على الأرض من غير صوت…
ده اللي خوّف أنس أكتر.
“مهند!!”
انحنى بسرعة… قلبه بيضرب فوق طاقته.
مهند حاول يفتح عينه…
لكن الدم نزل من جنب بقه…
نقطة… اتنين…
وبعدين كحة قصيرة طلّعت خيط دم رفيع تحته.
أنس اتجمد ثانيتين…
ثانيتين كفاية إنه يفهم:
مافيش وقت.
ولا ثانية.
هو مكنش بيعيط…
بس صوته كان مكسور وهو يقول:
“ما تردش… أنا هتصرف… بس أوعى… أوعى تسيبني.”
مسك مهند من تحت دراعه…
حاول يشيله تاني من إيديه…
بس مهند جسمه وقع لتحت كأنه خلاص ما بقاش يقدر يثبت نفسه.
أنس بص للسماء…
الظلمة كانت بتزيد…
والفجر لازم يوصل هو قبله.
“إنت مش هتموت هنا… فاهم؟
مش بعد كل اللي عدّينا بيه.”
لفّ مهند على ضهره…
ربط دراعه حوالين رقبته…
ووقف…
وقف بالعافية… بس وقف.
مهند رأسه كانت جنب كتف أنس…
مدفونة فيه…
وبالكاد بيحاول ياخد نفس.
بدأ أنس يجري.
أول خطوة… كانت تقيلة.
تاني خطوة… وجع.
الطين ماسك في صوابه…
الهوا بيقطع رئته…
وكتف مهند بيضغط على ضهره.
بس أنس بيجري.
يجري بالعزم اللي بيشيل صاحبه…
يجري بالذنب…
بالخوف…
مهند نَفَسه كان بيقل…
وكل شوية كحة صغيرة…
دم يقع على قميص أنس…
يسيب أثر أحمر…
أثر بيجرّح القلب.
“استحمل… بس استحمل لحد ما نوصل.”
قالها أنس وهو بيجري… صوته مليان رجاء أكتر من القوة.
مهند بصعوبة همس:
“أ… أنس…”
أنس رد بسرعة:
“متتكلمش… متتعبش نفسك…”
“أنا… مكسّل… جسمى تعبان…”
أنس عض على شفايفه…
عشان ما ينهارش.
“مافيش حاجة اسمها تعبان…
إحنا قربنا… قربنا يا مهند…
اسند راسك بس… اسند.”
وجسمه تقل على كتف أنس…
وبقى شبه غايب.
أنس شاله كويس تاني…
ورجع يجري.
الهوا بقى أسود…
والبرد زاد…
والصوت الوحيد هو كعبه وهو بيخبط في الأرض.
وفي النص…
أخد الشنطة الصغيرة اللي فيها نص الحقنة اللي الراجل إداهاله.
مسكها بإيده الحرة…
وبص عليها:
“لو اتأخرنا… هديها لك… حتى لو هنا…
بس يا رب… نوصل قبل ده.”
كان بيكلم نفسه…
وبيكلم ربنا…
وبيكلم الخوف اللي جواه…
وبيكلم صاحبه اللي نصه فوق كتفه ونصه غايب.
الطريق كان طويل…
بس أنس كان أسرع…
أسرع من خوفه…
أسرع من الظلمة…
أسرع من الموت اللي ماشي وراهم بخطوات هادية.
وكل ما رجله توجع…
أو ضهره يصرخ…
أو نَفَسه يتقطع…
يبص لمهند…
للدم اللي على هدومه…
لصوته المختفي…
ويجري أكتر.
لحد ما وصل لأول علامة نور…
علامة تدل إن في حياة…
وإن موضوع “الفجر” بقى فاضله وقت قليل قوي.
أنس قرب من سور خشب…
ومكان شبه مهجور…
بس فيه باب…
وفيه ضوء خفيف من جوّه.
قال بصوت مبحوح:
“استحمل… استحمل يا مهند…
إحنا تقريبًا وصلنا…”
وداس على الأرض آخر دوسة…
ودخل.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━