الفصل الخامس والتسعون: نهايه الامان..

━━━━━━━━━━━━━━━━━

الصبح دخل من شباك شقّة أنس بهدوء…

نور ناعم، دافي، كأنه بيطبطب على الليلة اللي فاتت.

مهند صحى الأول…

كان نايم نص على الكنبة ونص على كتف أنس اللي نام جمبه،

مهند بص حواليه…

كم ثانية كده، وبعدين ابتسامة صغيرة طلعت من غير ما يقصد.

أنس صحى بعدها بكم لحظة وقال بصوت مبحوح من النوم:

“صباح الخير يا صاحبي.”

مهند هز راسه بابتسامة:

“صباح النور… أنا مرتاح.”

اتنينهم فطروا بسرعة…

ضحك بسيط… كلمتين خفاف… الجو كان هادي بطريقة غريبة، كأنه عاصفة كبيرة هتيجي بعد سكات طويل.

أنس دخل أوضته… طلع جاكت وبنطلون نضيف وحطه في حضن مهند:

“خُد، غير وروّح…

قابل أمك… طمنها… وأنا هستناك هنا.

قولي بس هنلتقي فين.”

مهند لبس، بص للمرآية، شد نفسه وقال:

“هروح… وهرجع بسرعة.”

وهنتقابل تحت بيتي....(قالها مهند وهو خارج)

بس أنس…

كان فيه حاجة مضايقاه من جوه.

حاجة مش مريحة.

إحساس ضاغط، كأنه قلبه بيحذّره من حاجة هو مش شايفها.

ـــ

مهند وصل للبيت.

الشارع غريب…

هادي…

زيادة عن اللزوم.

خبط على الباب.

مرة.

اتنين.

تلاتة.

صوت خطوات…

وبعدين صوت ست كبيرة تفتح الباب وتفضل واقفة تبص عليه كأنها شافت شبح.

عينها وسعت:

“إنت… إنت عايش؟! يا مصيبتي! يا مصيبتي!… كنت فين يا ابني؟!”

قبل ما يرد…

ست تانية نزلت من فوق بسرعة وزعقت:

“إخرسِ أنتِ!

إنت جاي لينا بوشّك دا؟!

ليك عين تيجي؟!

يا ابني دا انت سبت حتة أمك بتموت لوحدها!”

مهند…

اتجمّد.

كل عضلة في جسمه وقفت.

“هـ… إيه؟

لحظات… إيه؟”

ناس بدأت تنزل السلم…

وشوش كتير…

كلام كتير…

همهمات خانقة…

زي النحل حوالين ودنه.

واحدة قالت بصوت واضح:

“هو شكله مش عارف…

يا ابني… أمك ماتت بقالها تلات شهور.”

وانت مهانش عليك حتي تسال عليها......

الدنيا اسودّت.

مش مجازًا…

لأ، فعلاً اسودّت.

النور اتحول لنقطة صغيرة بعيدة…

الناس بتتكلم… بس صوتهم بعيد.

بعيد قوي.

مهند حاول يمد إيده للحيطة…

عشان يثبت نفسه....

بس.......ص

وقع.

وقع زي ورقة نشفت فجأة.

ـــ

في الوقت دا…

أنس خرج من الشقة بعد ما زهق يقعد لوحده…

قرر يتمشى شوية ويستكشف الدنيا…

بس قرر يستناه تحت بيته زي ما اتفقوا وخلاص... ويستكشفوا سوا افضل........

راح....

شاف تجمع.

زحمة.

ناس واقفة في دايرة.

قلبه جري قبل رجليه.

دخل وسطهم بالعافية:

“إبعدوا! إبعدوا من فضلكم!”

ولقاه.

مهند مرمي على الأرض…

عينيه نص مفتوحة…

نفسه متقطع.

جسمه سايب.

“مــهــــنــد!!!”

أنس وقع على ركبته، مسك وش مهند بإيدين بيرتعشوا:

“اصحى! اصحى يا صاحبي! سامعني؟!”

ايه اللي حصله!....

انتو عملتوا فيه ايه!......

واحدة قالت له:

“إحنا ما عملناش فيه حاجة… هو أول ما عرف إن أمه ماتت… وقع.”

والتانية قالت بغلّ:

“هو جاي دلوقتي يقع ويحس؟! دا حتى ما حضرش موتها… كانت بتنادي باسمه لحد آخر نفس!”

أنس اتجمّد.

بص لها بنظرة… ماكانتش نظرة إنسان عمره ١٧ سنة.

كانت نظرة حد اتكسر جواه حاجة.

راح ناحيتها:

“بتقولي إيه؟”

راجل مسكه من التيشيرت:

“ما تعلّيش صوتك على الاكبر منك يلاااا”

والست قالت:

“ما هو لو أهله ربّوه… ماكنش دا حاله.”

بيزعقوا ولا كان فيه حد قدامهم منهار.....

اس واقف مصدوم منهم....

وشه ولع.

ودنه صفّرت.

صدره اتحبس.

وواحد جه يقرب منه...

صرخ عليه....

وقالهم ابعدوا....ابعدوا عننا

مش عاوزين منكم حاجه ياناس منافقه....

وبصلهم بحقد ....وكمل....

“عارفين ....

هـــرجعلكم…

وصدقوني…

هقتلـكـــم كـــلــكــم.”

هقتلكم يا ناس منافقه..

خد مهند من الأرض…

شاله علي ضهره…

وجري.

جري كأنه بيهرب من العالم كله.

ـــ

رجع البيت.

حط مهند على الكنبة…

وقف قدامه…

مش قادر يتنفس.

مش قادر يفكّر.

الكلام اللي اتقال بيتكرر زي سكاكين في دماغه.

“ناس منافقة…

ناس وسخة…

والله لهرجع…

والله…”

وفجأة، مهند فتح عينه.

ببطء…

مضطرب…

بيحاول يركز.

“أنس؟”

صوته ضعيف… تائه.

“إيه دا؟

مش… كنا عند الدكتور؟

إحنا… خرجنا إمتى؟

أنا…

أنا فين؟”

أسئلة كتير…

وراء بعض.

مفيش نفس بينهم.

وأنس؟

واقف…

مصدوم…

مش قادر ينطق.

مش قادر يقول له.

مش قادر يستوعب قدّام نفسه.

كل حاجة بتقول:

مهند فقد جزء من ذاكرته.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2025/12/11 · 1 مشاهدة · 610 كلمة
reven
نادي الروايات - 2026