الفصل السادس والتسعون: الهــــروب١

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

الجو في الشقة كان ساكت بطريقة تخوّف…

والسكون ده كان عامل زي غطا تقيل فوق صدر أنس.

مهند كان لسه صاحي…

قاعد على الكنبة، ظهره ساند وعيونه واسعة…

بس مش عشان فاكر.

عشان مش فاكر.

بص على أنس بنظرة طفل تايه:

"مش كنا… عند الدكتور؟

الدكتور كان قالي اني بقيت كويس بس هتقعد يومين كدا وتمشي........

احنا… خرجنا امتى؟

و… أنا فين دلوقتي؟"

صوت مهند كان هادي…

بس وقع الكلمة على أنس كان ضربة.

أنس وقف ثابت…

مش قادر يتحرك…

ولا قادر يرد.

كأن الكلام اتسحب من حلقة.

صوت داخلي بيخبط في دماغه:

“فقد… جزء من الذاكرة.”

مهند كمل بسؤال تاني، أسرع… أضيق:

"انس؟

هو ايه اللي جبني هنا؟!

وليه… لابس هدوم غير؟

و… احنا جينا هنا ازاي؟

طب...امي.....لازم اروح اشوفها...

الكلمة الأخيرة جرحت الهواء.

أنس حسّ صدره بيتقفل…

قرب منه وقعد على ركبته قدّامه.

"مهند… اسمعني.

انت… كنت تعبان فعلاً.

والدكتور قال لازم ترتاح.

فجيت هنا… عندي."

مهند يرمش بسرعة، قلقان، مش مقتنع:

"طيب… ماشي…

بس أنا عاوز أروح البيت....لازم اشوف ماما.

أكيد قلقانة عليّا.

ولازم أشوفها وأطمنها…

إحنا ليه هنا مش هناك؟"

أنس بلع ريقه بالعافية…

عقله بيجري في مليون اتجاه…

كلهم سودا.

ماينفعش يقوله الحقيقة.

ماينفعش يصدمه تاني.

ماينفعش ينهار قدّامه.

فردّ بصوت واطي، ثابت بالعافية:

"دلوقتي… مستحيل نروح لها.

إنت محتاج ترتاح يومين هنا…

عشان الدكتور قال كده.

وعشان…"

سكت.

الكلمة مش راضية تطلع.

مهند قرب وشه:

"عشان إيه؟"

أنس غمض عينه وقال:

"عشان المدينة برا… دوشة.

والناس كتير.

ومش عايز حد يدوّخك ولا يضغط عليك.

انت لسه طالع من حاجة كبيرة…

فالأمان هنا."

مهند بص له بثقة طبيعية…

ثقة بتكسر القلب:

"تمام…

أنا مصدقك."

الكلمة دي وجعت.

مهند بعدها تعب، غمض عينه، ونام تاني بسرعة…

جسمه كان منهك من الصدمة اللي مش فاكرها.

أنس وقف يشوفه…

نَفَسه بيتسارع.

يديه بتترعش.

المشهد اللي شافه في الشارع لسه بيتكرر في دماغه زي فيلم مرعب.

الكلام اللي اتقال…

اتهامات الناس…

الست اللي كسرت مهند بجملة واحدة…

والكلمة اللي قالها مهند وهو بيقع:

"ماما…؟"

أنس حسّ إنه لو قعد دقيقة زيادة… هينفجر.

---

ساب مهند نايم.....

وخرج من الشقة.....

نزل السلم وهو بياخد نَفَس عميق…

عاوز يجمع أي كلمة من اللي شافهم،

يمكن يفهم…

يمكن يربط حاجه بحاجه.

المدينة كانت هادية… هدوء يخوّف أكتر من الضوضاء.

قابل ست عجوز كانت واقفة قدام بابها.

سألها بهدوء:

"معلش… اللي حصل الصبح…

إنتِ كنتِ هناك؟"

بصت له بعيون شكاكة، وقالت:

"الولد كان تايه…

ومصدوم…

وأمه ماتت من ٣ شهور يا ابني.

كان لازم حد يقوله…"

من غير ما تقول كلمة “وحشين”.

لكن نبرتها قالت كل حاجه.

أنس شكرها ومشي.

قابل راجل تاني…

قال:

"الست ماتت لوحدها…

والكلام في المدينة بيقول إن موتها… مش عادي."

الجملة دي ضربت الكلام في دماغه:

مش عادي؟

مش طبيعي؟

حد عمل فيها حاجة؟

أنس حس قلبه بينزل لتحت…

دماغه تصرخ:

“لو دي حقيقة… ومهند عرف؟

هيتكسر.”

ماشي كم خطوة…

حس بشعور غريب…

زي عينين بتبص عليه.

لف…

لقى شاب واقف في ظل المبنى اللي قصادهم.

واقف ثابت…

وشه مش باين.

أول لما أنس بص عليه…

الشاب اختفى جوه الزقاق.

قلب أنس وقع.

في حد بيراقبهم.

في حد بيتابعهم.

ووجودهم هنا خطر.

---

رجع جاري على البيت.

فتح الباب…

لقى مهند لسه نايم.

وشه هادي…

لسه فاكر آخر لحظة عند الدكتور.

لسه مش فاكر أي حاجة من المصايب اللي حصلت.

لسه مش فاكر إن أمه ماتت…

وراها لغز…

وراها حد.

أنس قعد جنبه…

مسك راسه وقال بصوت واطي، متقطع:

"يا رب…

أحميه.

إحنا لازم نمشي من هنا…

قبل ما يعرف…

قبل ما يوصلوا له…

قبل ما أي حد ياخده مني."

وهو بيبص على الباب…

حاسس إن حد واقف وراه.

بيتأكد.

مترصّد.

انس قال لنفسه:

"أنا اللي هحميك يا مهند…

حتى من الحقيقة نفسها."

واتقفل الفصل…

على بداية الهروب.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2025/12/11 · 4 مشاهدة · 597 كلمة
reven
نادي الروايات - 2026