الفصل السابع والتسعون: الهـــــروب ٢

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

باب الشقة اتفتح بهدوء…

ودخل أنس.

خطوته كانت تقيلة…

مش من التعب،

من اللي سمعه…

من اللي جمعه…

من اللي فهمه غصب عنه.

وقف عند المدخل…

بص حواليه... على الشقة الهادية.

اللمبة الصغيرة اللي في الركن منورة نص نور…

والدنيا ساكنة لدرجة إن النفس يُسمع.

وبعدين عينه راحت على مهند.

مهند كان نايم على الكنبة…

نايم نوم طفل تعبان…

درعاته ملفوفة على نفسه شوية…

نَفَسه مش ثابت…

حتى في النوم، جسمه بيرتعش بسيط.

أنس وقف قدّامه…

بص له نظرة صعبة تتفكّ: خوف… غضب… قلق… وحماية.

قرب منه، قعد على الأرض…

إيده قربت تلمس شعر مهند…

وقفها…

سحبها…

رجع يمدها…

ولمس راسه بهدوء.

تنَهّد.

“يا رب…

أنا مش عارف أعمل إيه.”

رفع راسه للسقف…

صوته واطي كأنه بيكلم حد مش موجود:

“المدينة دي… مش طبيعية.

الناس كلامهم مش داخل عقلي…

والموت بتاع أمك يا مهند.....

مش عادي.”

وكان الناس عارفه......ومش راضيه تنطق......

افتكر الكلام اللي سمعه:

كلمة من واحدة…

نظرة من راجل…

حكايات متقطعة…

وكلها رايحة لنقطة واحدة:

“موتها مش صدفة.”

رمش بعينه بسرعة…

الكلام بيجري في دماغه زي ضربات طبول:

– هو اللي عمل فيها كدا؟

– ولا حد في المدينة؟

– ليه الناس بتتكلم عنك خوف؟

– ليه محدش عايز يقول الحقيقة كاملة؟

– ليه الراجل اللي وراك طول اليوم كان بيراقبك؟

شد أنس نفسه…

وقف…

وبص على الشباك.

وبالفعل…

فيه حد واقف تحت.

ظل…

مش باين ملامحه…

بس واقف ناحية باب العمارة…

متحركش من ساعة.

أنس بلع ريقه…

ووشه اتقفل:

“لو فضلنا هنا… هنضيع.”

رجع بسرعة عند مهند.

قعد…

وقال بصوت واطي:

“أنا آسف…

بس لازم نمشي.

ولازم نمشي دلوقتي.”

مهند اتقلب في نومه…

العرق على جبهته…

ملامحه مضغوطة بخوف من حلم أو ذكرى.

أنس قال في ودنه...

“مش هسيبك…

ولا هنرجع للمدينة دي تاني.

ولا هخليك تعرف حاجة تدمر قلبك دلوقتي…

مش وانت كدا.”

وقف…

وبدأ يلم حاجته.

حط هدومه في شنطة صغيرة…

حاجات مهند… العلاجات… ورق الدكتور…

والمية…

ولف بطانية خفيفة.

كل دا وهو بيكلم نفسه:

“القرية…

القرية اللي كنت بروحها مع جدي وانا صغير....

اللي الناس فيها طيبين…

بعيدة…

محدش يعرفنا…

ومحدش هيوصلنا.”

بص آخر بصّة على مهند.

ووشه اتغير…

اتحوّل من الخوف… للعزم.

“هخرجك من هنا…

حتى لو العالم كله وقف ضدي.”

وبعدين…

راح ناحية الباب…

قفله بقفلة خفيفة…

وقعد على الأرض يسند ضهره للباب…

ماسك الشنطة في حضنه.

مستني بس

أول نفس يصحى بيه مهند…

عشان ياخده…

ويمشوا…

ويقفّلوا على المدينة دي باب عمر كامل.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

..

2025/12/12 · 3 مشاهدة · 390 كلمة
reven
نادي الروايات - 2026